Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 7, 2026
A A A
مات الناتو… وأميركا بين تركيا و«إسرائيل»؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

إذا كان لا بد من كلمة تُتلى في افتتاح قمة الناتو في أنقرة، فلن تكون، على الأرجح، الكلمة المطولة والمنمقة التي أعدها الأمين العام للحلف، بل الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، عندما تحدّث عن “القطيعة في النظام الدولي”، وعن “نهاية قصة مريحة وبداية واقع قاسٍ”، حيث قال إن “النظام القديم لن يعود”، وإن “الحنين ليس استراتيجية”، داعياً إلى “التوقف عن التظاهر” بأن النظام الذي عرفه العالم طوال العقود الماضية لا يزال قائماً. فهذه العبارات تبدو اليوم أكثر التصاقاً بواقع الحلف من أي خطاب بروتوكولي عن وحدة الغرب وتماسكه.

 

لقد قام الناتو على فرضيّة كبرى اسمها “الغرب الجماعي”، لا كجغرافيا ولا كثقافة فقط، بل كمنظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة وتتكفل بخوض حروبها الكبرى. كان الغرب موجوداً، عملياً، لأن أميركا كانت قادرة على خوض حروب الجميع، وحماية خطوط التجارة، وضمان أمن أوروبا، وإدارة الصراعات البعيدة باسم منظومة واحدة تؤدي لأميركا الولاء، وكان الولاء كافياً لأميركا دون موازنات. أما اليوم، فقد سقطت هذه الفرضية. لم تعد أميركا تعرف أمنها القومي من داخل الناتو، ولا عاد الناتو قادراً على تعريف نفسه بحروب أميركا.

 

حرب إيران كانت الاختبار الأوضح؛ حيث قاتلت واشنطن خارج الحلف، ولم تجعل الناتو غرفة قرار أو إطاراً سياسياً أو عسكرياً للحرب بل مجرد غرفة انتظار لنتائجها، واتخذت لها شريكاً وحليفاً في الحرب من خارج الناتو، رغم علاقة الحلف بـ”إسرائيل”. وعندما انتهت الحرب، تفاوضت واشنطن خارج الحلف أيضاً، ووقعت تفاهمات تتناول ملفين كان يُفترض أنهما من صلب الأمن الغربي: البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز. لم يكن الحلف شريكاً في القرار ولا في التسوية. وفي المقابل، عندما احتاجت أميركا للحلف في لحظة قاسية من لحظات الحرب قال لها إنه غير معني بحرب ليست حربه، بل إن بعض دول الحلف منع أميركا من استخدام أجوائه ومطاراته. وبينما بقي الناتو غارقاً في أوكرانيا كأولوية، بدأت واشنطن تتصرف بوضوح على قاعدة عدم اعتبار حرب أوكرانيا حربها؛ فأوروبا ترى أوكرانيا مسألة وجودية، وأميركا تراها ملفاً مفيداً في التفاوض حول مضمون جديد للعلاقة مع روسيا، ومشروعاً للتجميد أو الإدارة، لا جبهة لاستنزاف مفتوح.

 

هنا تظهر تركيا بوصفها عنوان المرحلة الجديدة؛ فهي لا تسعى إلى إنقاذ الناتو القديم، بل إلى التقاط أميركا من داخله نحو ثنائية جديدة، حيث تتصرف تركيا دائماً كصائد الفرص، فتعرض على واشنطن شراكة في تثبيت التفاهم مع إيران، كما تعرض دوراً في إدارة المسار الأوكراني مع روسيا. وتركيا لا تتصرف كعضو أطلسي تقليدي، بل كقوة إقليمية تعرف أن واشنطن تبحث بعد الحرب عن شركاء للنهايات لا للبدايات.

 

مقابل الموت السريري للناتو واليقظة التركية، فهم بنيامين نتنياهو جوهر القمة قبل غيره. لم يكن همه البيان الأطلسي ولا نسب الإنفاق العسكري، بل السؤال الأخطر: من هو شريك أميركا الأول؟ “إسرائيل” التي كانت شريك بداية الحرب، أم تركيا التي تعرض نفسها شريك نهايتها؟ رسالة نتنياهو إلى واشنطن واضحة: من وقف معكم في حرب إيران، “إسرائيل” أم تركيا؟ لكنه يدرك أن الجواب لم يعد يحسم وحده المستقبل؛ فإذا كانت واشنطن تريد العودة إلى الحرب، فإن “إسرائيل” هي الشريك الطبيعي، أما إذا كانت تريد تثبيت نتائج الحرب، ومنع انفجار هرمز، وترتيب علاقة أقل صداماً مع إيران وروسيا، فإن تركيا تصبح شريكاً لا يمكن تجاهله.

 

لهذا لا تكمن أهمية قمة أنقرة في ما ستقوله عن تماسك الناتو، بل في ما ستكشفه عن نهايته كعقل استراتيجي موحد. والحلف قد يبقى مؤسسة، وبيانات، وموازنات، ومادة خامسة، لكنه فقد الروح لأنه خسر الفكرة التي أعطته الحياة. لم يعد هناك غرب واحد؛ هناك أوروبا خائفة من روسيا، وأميركا تريد الخروج من الحروب البعيدة، وتركيا تبني موقعاً بين واشنطن وموسكو وطهران لتثبيت خطوط للنهايات، و”إسرائيل” تحاول شد أميركا إلى نقطة البداية التي انطلقت منها الحرب.

 

تبدو عبارة مارك كارني عن نهاية الزمن القديم أكثر صدقاً من كل عبارات المجاملة الأطلسية؛ فالناتو لا يناقش فقط زيادة الإنفاق أو توزيع الأعباء، بل يواجه سؤالاً وجودياً: هل بقيت الفكرة التي أنشأته؟ وإذا كانت أميركا لم تعد تقاتل باسم الغرب، ولم يعد الغرب يعرف نفسه بحروب أميركا، فما الذي يبقى من الحلف غير اسمه؟