Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر July 6, 2026
A A A
رضي القتيل… ولم يرضَ القاتل!
الكاتب: حسناء سعادة

كتبت حسناء سعادة في “سفير الشمال”:

“رضي القتيل ولم يرضَ القاتل” مثل يكاد يختصر المشهد اللبناني اليوم. فبعد كل التبريرات عن ان الاتفاق سيفتح باب الاستقرار، بدا واضحاً أن إسرائيل لا تتصرف كطرف يريد إنهاء المواجهة، بل كقوة احتلال ترى في الاتفاق محطة جديدة لتثبيت وقائع ميدانية وسياسية تخدم مصالحها.

لم تمض أيام على توقيع الاتفاق حتى ظهر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي متجولاً في قلعة الشقيف، على أرض لبنانية محتلة، مطلقاً التهديد والوعيد، في رسالة تقول إن الاحتلال ما زال يعتبر نفسه صاحب الكلمة الفصل في الجنوب.

وفي الوقت نفسه، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليؤكد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يطلب منه وقف العمل ضد الأنفاق، في إشارة تعزز المخاوف من استمرار العمليات العسكرية متى شاءت إسرائيل، وكأن الاتفاق لا يلزمها بشيء.

هذه الوقائع تطرح سؤالاً بديهياً حول ماذا بقي من الاتفاق إذا كانت إسرائيل تتصرف وكأنها لم توقع سوى على وثيقة تمنحها حرية الحركة وتُقيد لبنان؟

وتزداد خطورة المشهد مع ما كشفه النائب حسين الحاج حسن عن وجود ملحق سري للاتفاق، داعياً رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى إعلان موقف رسمي وواضح بشأن حقيقة هذا الملحق ومضمونه. فإذا صح وجوده، فإن اللبنانيين أمام مرحلة بالغة الحساسية، لأن أي اتفاق تُخفى بعض بنوده عن الرأي العام يثير أسئلة مشروعة حول الالتزامات التي قد تكون فُرضت على لبنان بعيداً عن المؤسسات الدستورية والرأي العام.

والواقع أن الاتفاق، كما يُقرأ من قبل شريحة واسعة من اللبنانيين ومن قوى سياسية مختلفة، لا يُشعرهم بأنه انتصار للدبلوماسية، بل بأنه اتفاق خضوع، يمنح الاحتلال شرعية سياسية لا يستحقها، ويغسل يديه من الجرائم التي ارتكبها بحق المدنيين والقرى الجنوبية، فيما يبقى لبنان مطالباً بتقديم المزيد من التنازلات تحت عنوان الاستقرار.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الانطباع لم يعد محصوراً بالداخل اللبناني، بل وجد صداه لدى ست منظمات حقوقية دولية بارزة، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود، التي اعتبرت في بيان مشترك أن الاتفاق يخذل ضحايا جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي في لبنان. ورأت أن بنوده تُكرّس الإفلات من العقاب، وتُشرعن التهجير القسري الطويل لعشرات آلاف أبناء الجنوب، بل إن بعض مواده قد تفسَّر على أنها تقيّد حق لبنان في اللجوء إلى المحاكم الدولية لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.

إنها مواقف لا يمكن التعامل معها باستخفاف، لأنها صادرة عن منظمات أمضت سنوات في توثيق الانتهاكات، وهي تدعو الدولة اللبنانية إلى فتح مسار فعلي للمساءلة، من خلال تمكين المحكمة الجنائية الدولية من التحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ تشرين الأول 2023، والانضمام إلى نظام روما الأساسي، وإقرار تشريعات وطنية تجرّم جرائم الحرب بما ينسجم مع القانون الدولي.

اليوم، يبدو الجنوب يعيش اجواء الخطر في ظل اتفاق غير منصف فالاحتلال لم ينسحب، والتهديدات العسكرية متواصلة، والاتفاق نفسه يثير جدلاً واسعاً في الداخل، وتحذيرات حقوقية دولية من تكريس واقع جديد قد يحرم الضحايا من حقهم في العدالة.

من هنا، يصبح من حق اللبنانيين أن يعرفوا الحقيقة كاملة، وأن تُكشف كل بنود أي اتفاق، وأن يُجاب بوضوح عن الأسئلة المطروحة، فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على البنود السرية، ولا على شرعنة الاحتلال، ولا على إسكات صوت الضحايا، بل على السيادة الكاملة، والشفافية، والعدالة التي وحدها تضمن سلاماً دائماً لا هدنةً هشة قابلة للانفجار عند أول قرار إسرائيلي.