Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر July 2, 2026
A A A
مواضيع رئيسية وأسئلة رئاسية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم يختر رئيس الجمهورية جوزف عون، في لقائه مع نقابتي المحامين، أن يكتفي بالدفاع عن صيغة اتفاق 26 حزيران، بل اختار أن يحول الاعتراضات المثارة حوله إلى ستة أسئلة حاول إعطاءها نوعاً من المشروعية القانونية مستفيداً من طبيعة الحضور، في أول مطالعة شاملة بعد الاتفاق اعتبر أنها تختصر جوهر النقاش. وقد بدأ من معنى السيادة، سائلاً إن كانت تعني شيئاً غير أن تتخذ الدولة قرارها الخاص بصورة مستقلة بنفسها وأن يفاوض لبنان عن نفسه لا أن يفاوض الآخرون نيابة عنه، ثم انتقل إلى سؤال البديل الذي يطرحه المعترضون إذا كانوا يرفضون صيغة الإطار، مضيفاً: “لقد جربنا الحرب ورأينا النتائج، فلمَ لا نجرب التفاوض؟”. وبعد ذلك توقف عند المادة 13 نافياً أن تكون قد أسقطت حق لبنان في ملاحقة “إسرائيل”، ثم رفض الاتهام بأن الصيغة تشرّع الاحتلال، معتبراً أنها تتحدث عن انسحاب “إسرائيل” وبسط سلطة الدولة وعودة النازحين والأسرى. كما رأى أن موضوع حصر السلاح ليس جديداً لأنه وارد في اتفاق الطائف والدستور اللبناني، وختم بالردّ على الاعتراض المتعلق بغياب الجدول الزمني للانسحاب، معتبراً أن صيغة الإطار ترسم المبادئ العامة، فيما تترك التفاصيل لاتفاق أمني لاحق. وهكذا نقل الرئيس النقاش إلى مجموعة من الأسئلة المحدّدة التي تستحق الوقوف عندها.

السؤال الأول الذي طرحه الرئيس يتعلق بالسيادة، وقد اختصرها بحق الدولة في اتخاذ قرارها المستقل والتفاوض بنفسها وعدم السماح لأي طرف آخر بالتفاوض نيابة عنها. غير أن هذا التعريف قاصر ويحتاج إلى التدقيق؛ لأن هذا ليس إلا جزءاً من مفهوم السيادة المحصور في الجانب الإجرائي من البعد الذاتي لها، بينما يرتبط مفهوم السيادة على الصعيد الموضوعي بممارستها كاملة دون نقصان من جهة، وعدم منح أي قوة أجنبية لا سيّما العدو الذي يحتلّ ويعتدي امتيازات على حساب السيادة من جهة أخرى. وإذا كان القرار المستقلّ نفسه مشوباً بعيب نقصان الإرادة الحرة بمجرد وجود الاحتلال، فإن ذلك يوجب وفق كل المعايير القانونية اعتبار كل تفاوض تحت الاحتلال بمثابة إكراه لا ينتج عنه إلا الباطل، لأنه مفسَد بوجود الاحتلال ذاته. ولذلك نحت القرارات الأممية التي تعاملت مع قضايا مماثلة إلى التمسك بفرض الانسحاب الفوري والكامل للمحتل قبل أي تفاوض، وتقديم المرجعية الأممية راعياً للانسحاب ثم التفاوض، ضماناً للإرادة الحرة التي تعبر عن مفهوم السيادة.

فإن الجانب الموضوعي للسيادة يفتح بدوره باباً لنقاش لا يقل أهمية؛ لأن ما تضمنه الاتفاق يقوم على قاعدة جوهرية تتكرر في كل مواده، قوامها إلقاء الموجبات المؤسِّسة لمسار الاتفاق على العاتق اللبناني وهو صاحب الأرض، بينما تأتي الموجبات المقابلة المفترض بالاحتلال القيام بها مشروطة بمدى موافقة الاحتلال على قيام لبنان بما طُلِب منه، في حين أن القاعدة الموضوعية للسيادة معاكسة تماماً، حيث يتوجب على الاحتلال أن ينفذ، ويقوم لبنان بتقدير سلامة التنفيذ للقيام بخطوة مقابلة. وما هو قائم في نص الاتفاق لا لبس فيه ولا شبهة في كونه انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية اللبنانية، خصوصاً لجهة ربط الانسحاب وعودة النازحين وإعادة الإعمار بنجاح لبنان في إنهاء ملف سلاح حزب الله، الذي لا يبيح كونه ملفاً مستحقاً بنظر السلطة اعتبار مشاركته مع الاحتلال كشرط لانسحابه ممكناً قانوناً من دون إلحاق الأذى بمفهوم السيادة والمساس العميق بالعناصر التي تقوم عليها.

ومن السيادة انتقل الرئيس إلى السؤال عن البديل للتفاوض. والسؤال الافتراضي الذكي الذي يكرره الرئيس مراراً مع حديثه عن التفاوض كخيار استراتيجي يفترض وجود معسكر مقابل يقول “لا للتفاوض”، بينما الحقيقة هي أن الرئيس يعلم أن لبنان بقيادته تعامل مع اتفاق خرج من رحم التفاوض، وهو اتفاق وقف إطلاق النار في 2024. والانتقال إلى التفاوض من جديد يستدعي من الرئاسة التي كانت تقود مسار تطبيق الاتفاق المنجز الوارد في خطاب القسم والبيان الوزاري إعلان التمسك بتطبيق بنوده والإشادة بمضمونه، ومصارحة اللبنانيين بالاعتراضات عليه التي تستدعي التفكير بالذهاب إلى التفاوض على اتفاق بديل.

وبالتوازي يبرز السؤال: إذا كان معلوماً أن الاحتلال لم ينفذ موجبات ذلك الاتفاق وأن الضامن له لم يقم بموجبات ضمانته، فما هي الضمانة بألا تتكرّر التجربة ذاتها مع اتفاق جديد مع الاحتلال ومع الضامن نفسه؟ فلا الاتفاق يُنفَّذ ولا الضامن يضمن، إلا إذا افترضنا أن الاحتلال سوف ينال في الاتفاق الجديد ما جعله لا ينفذ الاتفاق السابق وينفذ الاتفاق الجديد، وأن الضامن سيصفق لتلبية تنازلات لبنانية تجعل ذلك ممكناً، خصوصاً لجهة البقاء في الأرض بذريعة عدم اكتمال شروط الانسحاب. والجواب المختصر على سؤال الرئيس عن البديل هو أن بديل التفاوض ببساطة هو التمسك بتطبيق اتفاق نتج عن تفاوض سابق.

توقف الرئيس مطولاً عند المادة 13، داعياً إلى قراءتها كما هي، ومؤكداً أنها لا تمنع لبنان أو اللبنانيين من مقاضاة “إسرائيل”، بل تعلّق الإجراءات القانونية الرسمية إلى حين انتهاء المفاوضات، مع بقاء حق المتضرّرين والهيئات ومنها نقابتا المحامين في اللجوء إلى القضاء. والجواب على ما أشار إليه الرئيس هو ما نصت عليه مواد معاهدات جنيف، لا سيما المواد 51 و52 و131 و148 من اتفاقيات 1949، ونظام روما الأساسي، والقانون الدولي الإنساني العرفي، حيث لا إعفاء كلياً أو جزئياً، دائماً أو مؤقتاً، من الملاحقة القضائيّة. والتعليق الذي يتحدّث عنه الرئيس هو حق محصور بجهتين هما: مجلس الأمن الدوليّ والمحكمة الجنائية الدولية وفقاً للمادة 16 من نظام روما الأساسي. وأي نص محلي، أو اتفاقية ثنائية، أو تعهد سياسي يمنح “إعفاءً من الملاحقة” لمرتكبي جرائم الحرب يُعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً بموجب المادة 148 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 17 من نظام روما.

في معرض رده على الاتهام بأن الصيغة شرّعت الاحتلال، سأل الرئيس أين ورد في النص ما يضفي شرعية على الاحتلال، إذا كانت البنود تتحدّث عن خروج “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة، وعودة النازحين والأسرى والجثامين. والجواب يكمن في الاتفاق نفسه، بربط كل هذه العناوين والالتزامات بنزع سلاح المقاومة؛ فبغض النظر عن كون نزع السلاح بنظر السلطة حقاً وطنياً ودستورياً لها، إلا أن جعل إنجازه شرطاً للانسحاب وعودة النازحين وإعادة الإعمار يربط استعادة هذه الحقوق السيادية البائنة وإلزام الاحتلال بأدائها بإرادة طرف ثالث ليس جزءاً من الاتفاق.

والشرط هنا محاط بظروف وتعقيدات وملابسات قد تعيق تحقيقه، أو تجعل إنجازه موضوعاً للشك والطعن من جانب الاحتلال الذي يملك وحده حق تقدير نسبة ودرجة الإنجاز قبل أن تستحق عليه موجبات الانسحاب وعودة النازحين وإعادة الإعمار. وهذا يعني أن الاتفاق يمنح الاحتلال صلاحيّة تقدير وجود أو عدم وجود شروط تفرض عليه الانسحاب، مما يبرر له البقاء في الأرض ومنع عودة النازحين ومنع إعادة الإعمار بداعي أن الشروط لم تكتمل، وهذه هي بالضبط شرعنة الاحتلال حرفياً.

عندما انتقل الرئيس إلى ملف السلاح، استند إلى اتفاق الطائف والدستور اللبنانيّ، متسائلاً أين يكمن التنازل إذا كان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة منصوصاً عليه منذ عقود، إضافة لوروده في خطب القسم والبيان الوزاريّ. ولن نجادل في سائر البنود التي نص عليها اتفاق الطائف والدستور وهي لا تقل أهمية عن السلاح ولا تزال عالقة، ولا عن التزامات موازية في خطب القسم والبيان الوزاري ترتبط بالسلاح مثل الاستراتيجية الدفاعية والحوار حولها. وتسهيلاً للنقاش، نأخذ كلام الرئيس كأساس مقبول لنسأل: لماذا لم يرد في القرار 1701 الذي يستعين به الرئيس دائماً في السياق نفسه حول نزع السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية أي ربط بين موجب الانسحاب المفروض على الاحتلال وبين إنجاز نزع السلاح؟

بل حدث العكس تماماً، حيث جاء موجب الانسحاب على الاحتلال فورياً، وتلاه إنشاء منطقة يحصر فيها السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، ومن ثم فتح القرار باباً أسماه “قضايا الحل المستدام” يتناول قضايا الحدود بما فيها مزارع شبعا والسلاح، وأناط بالأمين العام للأمم المتحدة إجراء المشاورات اللازمة ثم اقتراح تصوّرات مناسبة، بعد إنجاز مرحلة وقف الأعمال العدائية ومن ضمنها الانسحاب. والأمين العام الأسبق بان كي مون قدّم مقترحاً جعل فيه إنهاء وضع مزارع شبعا متقدماً على بحث السلاح، مقترحاً تسليمها لليونيفيل قبل أي حديث عن الترسيم، لعدم استقامة إنجاز الترسيم في ظل الاحتلال.

ختم الرئيس ردّه بالاعتراض المتعلق بغياب الجدول الزمني للانسحاب، معتبراً أن صيغة الإطار تحدد المبادئ العامة، بينما تأتي التفاصيل في الاتفاق الأمني اللاحق. وهنا يبقى السؤال الأخير: هل غاب عن الرئيس أن الجدول التنفيذيّ موجود، لكن ليس كموجب على الاحتلال بل على لبنان؟ وأن الاحتلال يتولى فحص الأداء اللبناني انطلاقاً من المناطق التجريبيّة وصولاً إلى نزع السلاح؟ وهو يتمادى أكثر فأكثر في الحديث عن صلاحية التدخل في قوام لجان التنسيق العسكري، واستطراداً قوام القوات التي تتولى المناطق المسماة تجريبية، بما يُوصف وفق تجربة السلطة الفلسطينيّة، وما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن الوضع في سورية مؤخراً بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق معايير يضعها الاحتلال. فعن أي جدول زمني ننتظر الحديث؟