Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر June 29, 2026
A A A
اتفاق 26 حزيران: انسحاب قوات الاحتلال رهن بتحقيق شروط «إسرائيلية» تعجيزية

كتب حسن حردان

كيف يمكن قراءة “اتفاق 26 حزيران الاطاري” بين حكومة لبنان والحكومة “الإسرائيلية؟
هل يلزم “إسرائيل” بالانسحاب الكامل من لبنان، أم يرهن الانسحاب بنجاح السلطة اللبنانية في نزع وتجريد المقاومة من سلاحها وتدمير منشآتها وبناها التحتية؟
وفي حال عدم نجاحها في ذلك هل يعطي الاتفاق لـ “إسرائيل الحق في البقاء في المنطقة الأمنية” ومواجهة ما يسمّيه “التهديدات والنوايا العدائية”، ونقل الصراع بدلاً من أن يكون بين لبنان والاحتلال، ليصبح صراعاً لبنانياً ـ لبنانياً قد يقود الى تفجير حرب أهلية، تستنزف المقاومة، وتمكّن “إسرائيل” من تثبيت احتلالها للمنطقة الأمنية، مع منع سكانها من العودة إليها؟
وهل هذه النتيجة تعني أنّ “إسرائيل” وبدعم أميركي نجحت في فرض اتفاق يحقق لها بالمفاوضات ما عجزت عن تحقيقه بالقوة، وفي نفس الوقت التخلّص من قيود اتفاق جنيف الذي يلزم “إسرائيل” بوقف كامل وشامل للنار وإنهاء الحرب والانسحاب من لبنان من دون تحقيق أيّ مكاسب سياسية أو أمنية على حساب السيادة اللبنانية؟
انّ قراءة تحليلية عميقة لمثل هذه الاتفاق الإطاري، تستدعي تحليل النص بوضوح وموضوعية، لتفكيك البنود المطروحة والإجابة على الأسئلة وفقاً للقراءة القانونية والسياسية للنصوص:
1 ـ كيف يمكن قراءة هذا الاتفاق؟
يُقرأ هذا النص على أنه “اتفاق مشروط” ومرحلي، وليس اتفاقاً نهائياً شاملاً. هو يضع خطة طريق تعتمد على مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة” (المتبادلة والمتدرّجة)، ويربط الاستقرار السياسي والأمني بتحقيق شروط معينة على الأرض، مع إعطاء دور محوري ومسهّل للولايات المتحدة.
2 ـ هل يلزم “إسرائيل” بالانسحاب الكامل أم يرهنه بنجاح السلطة اللبنانية؟
بالنظر إلى الصياغة الحالية، النص لا يذكر صراحةً كلمة “انسحاب فورى وكامل” لقوات الاحتلال الإسرائيلي، بل يركز في المقابل على “استعادة القوات المسلحة اللبنانية سلطة الدولة الفعلية”.
والأهمّ من ذلك، أنّ النص يربط هذه الاستعادة بـ “التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية”. (ويقصد طبعا المقاومة) وبما أنّ العملية وُصفت بأنها “مرحلية وتجريبية”، فإنّ المفهوم المعاكس (المضمَر) في النص يشير إلى أنّ أيّ تقدّم في بسط السيادة اللبنانية أو تراجع العمليات العسكرية “الإسرائيلية” مرهون بالنجاح في تطبيق نزع السلاح في تلك “المناطق التجريبية” أولاً.
3 ـ سيناريو عدم النجاح: هل ينقل الصراع ليصبح “لبنانياً ـ لبنانياً”؟
المخاوف من نشوب صراع لبناني ـ لبناني هي الخطر الأكبر. فالنص يضع عبء “تفكيك البنية التحتية ونزع السلاح” على عاتق القوات المسلحة اللبنانية (الدولة) وهذا يؤدي إلى:
خطر الصدام الداخلي: إذا طُلب من الجيش اللبناني نزع سلاح المقاومة بالقوة دون توافق وطني، فإنّ هذا يضع مؤسّسة الجيش في مواجهة مباشرة مع شريحة واسعة من اللبنانيين، وهو ما يمهّد بالفعل لخطر “الاستنزاف الداخلي” أو الصراع الأهلي.
الذريعة “الإسرائيلية” للبقاء: يشدّد النص مرتين على أنّ العمليات “الإسرائيلية” هي “نتيجة للهجمات والتهديدات الصادرة عن الجماعات المسلحة”. هذا الربط يعطي “إسرائيل”، من وجهة نظرها، “غطاءً استمرارياً” للبقاء أو التدخل عسكرياً في حال فشلت السلطة اللبنانية في تحقيق الشرط؛ تحت مبرّر “الدفاع عن النفس ومواجهة النوايا العدائية” المستمرة.
4 ـ هل نجحت “إسرائيل” بدعم أميركي في فرض ما عجزت عنه بالقوة؟
واضح لأيّ قارئ انه من وجهة نظر سياسية واستراتيجية، يتضمّن هذا النص مكاسب هامة لـ “إسرائيل” لم تكن قادرة على فرضها بالبندقية وحدها:
شرعنة الشروط الأمنية: نجحت في تحويل مسألة نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية من “مطلب إسرائيلي” إلى “التزام دولي ولبناني مكتوب” تشترك فيه السلطة اللبنانية والولايات المتحدة.
الالتفاف المالي: بند منع تدفق الأموال المرتبطة بالمقاومة، يفرض حصاراً قانونياً واقتصادياً تشارك فيه السلطة اللبنانية رسمياً.
مقارنة باتفاقيات سابقة: هذا النص يختلف عن صيغ الوقف الشامل وغير المشروط لإطلاق النار (مثل بعض أدبيات جنيف أو القرار 1701 في صيغته الأصلية قبل التعديلات)، حيث يُدخل مفهوم “المناطق التجريبية” وإعادة الإعمار عودة النازحين المشروطة بالنجاح الأمني، مما يجعل السيادة اللبنانية مجزأة ومؤجّلة لحين تلبية الشروط “الإسرائيلية” والأميركية.
هذه النتيجة دفعت المفاوض “الإسرائيلي” السّابق في ملف “السّلام” دانيال ليفي الى القول:
“أكاد لا أصدّق ما قرأته بشأن اتفاق الإطار الموقّع بين الجانبين اللّبناني والإسرائيلي في واشنطن يوم الجمعة الماضي”…
أضاف “إيران تفاوضتْ على شروط للبنان أفضل من تلك التي تفاوَضَ عليها لبنان لنفسه!”
من هنا، هذا الاتفاق الإطاري، بصياغته الحالية، يمثل معادلة أمنية حرجة جداً للبنان. فهو يقدم “وعداً” بالسيادة وإعادة الإعمار والسلام الشامل، لكنه يضع في المقابل “شروطاً تعجيزية أو شديدة الخطورة” على التماسك الداخلي اللبناني. النجاح في تطبيقه دون الانزلاق إلى حرب أهلية يتطلب إما توافقاً داخلياً شبه مستحيل، أو تعديلاً في موازين القوى بالاستناد الى اتفاق التفاهم الأميركي الإيراني الذي ينص على إنهاء الحرب على كلّ الجبهات وانسحاب قوات الاحتلال دون قيد ولا شرط، بما يحمي ويحفظ السيادة اللبنانية ووحدة الأراضي اللبنانية، دون رهنها بشروط تمسّ استقرار الداخل.. وهذا يستدعي العودة الى التمسك بتنفيذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي يلزم كيان العدو بالانسحاب الكامل الى الحدود الدولية…