Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر June 29, 2026
A A A
كذبة ربط التفاوض والاتفاق بحروب المقاومة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– لم نعد نسمع أحداً يقول إن هذا اتفاق الفرصة الأخيرة، وإن على كلٍّ أن يتحمل مسؤوليته، فالاتفاق الفضيحة يتكلم عن نفسه كمهانة ومذلة على الصعيد الوطني؛ لذلك كلما اتسعت دائرة المعترضين على الاتفاق، ضاقت مساحة المدافعين عنه. ولم يعد أحد تقريباً يحاول إقناع اللبنانيين بأن الاتفاق إنجاز مشرّف يدعو للفخر، أو أنه حقق إنجازاً سيادياً أو أمنياً أو حتى سياسياً. الوقائع اليوميّة تتولى هذه المهمة وحدها. “إسرائيل” تواصل احتلالها للنقاط التي تريد الاحتفاظ بها، وتواصل اعتداءاتها، وتتعامل مع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني بمنطق الوصاية لا بمنطق الالتزام باتفاق.

– لم يكن مشهد الإهانات التي يتعرّض لها الجيش اللبناني سوى التعبير الأوضح عن هزال ما أنتجه هذا المسار. بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس يتحدثان عن “وجود مجموعات جهادية داخل الجيش اللبناني يجب تطهيره منها”، في أخطر تشكيك بمؤسسة وطنية يُفترض أن الاتفاق جاء لتعزيز دورها. ثم تعلن “إسرائيل” انسحاباً من قريتين غير محتلتين أصلاً، في مشهد أقرب إلى السخرية منه إلى تنفيذ الالتزامات، ثم تنفذ عمليات في الجنوب معلنة أنها أبلغت الأميركيين ولم تبلغ الجيش اللبناني، وكأن المرجعية الأمنية في الجنوب هي واشنطن لا بيروت. وعندما امتنع الجيش عن تسلّم موقعي فرون وزوطر الغربية، احتجاجاً على هذه الآليّة المهينة، سارعت “إسرائيل” إلى القول إن الجيش غير جاهز للمهمة.

– لم يعد المدافعون عن الاتفاق يدافعون عن الاتفاق نفسه، بل انتقلوا إلى الدفاع عن قرار الذهاب إليه. وصارت الحجة الجديدة تقول: نعم، الاتفاق سيئ، لكن ماذا كان يمكن أن تفعل السلطة؟ لقد ورّط حزب الله لبنان بحروبه، ولم يبقَ أمام الدولة إلا التفاوض، ثم قبول ما أمكن الحصول عليه. هذه الرواية تبدو جذابة إعلامياً، لكنها تسقط بمجرد إعادة ترتيب الوقائع زمنياً. فالحرب الأولى انتهت في 27 تشرين الثاني 2024 باتفاق واضح أنتجه من خاضوا الحرب قبل تشكل السلطة الجديدة الذين رحّبوا به وقبلوه واعتبروه إنجازاً وطنياً قبل أن ينقلبوا هم عليه دون أن تسقطه حرب أخرى.. رئيس الجمهورية أكد في خطاب القسم التمسك بالاتفاق وتنفيذه كاملاً. والبيان الوزاري أعاد تأكيد أن الحكومة تعتبر تنفيذ الاتفاق مدخل استعادة السيادة وبسط سلطة الدولة في الجنوب. ولم يكن ذلك موقفاً عابراً، بل التزاماً رسمياً للدولة. لكن ما الذي تغير؟

– لم تقع حرب جديدة يوم قررت السلطة مغادرة هذا المسار. الذي حدث هو أن “إسرائيل” رفضت تنفيذ الاتفاق، ورفضت الانسحاب، واستمرت في اعتداءاتها. وكان السؤال الطبيعي: هل تضغط الحكومة على واشنطن لإلزام “إسرائيل” بتنفيذ الاتفاق الذي رعته كما كان عليه التفاهم الذي قامت على أساسه الحكومة التي شاركت فيها المقاومة؟ أم حدث العكس عندما بدأ الحديث عن اتفاق جديد، وعن تفاوض مباشر، وعن إعادة ترتيب الأولويات، منذ اعتماد ورقة توم برّاك أساساً للقرارات الحكومية التي قالت إن مصير السلاح هو الأولوية وليس انسحاب الاحتلال.

– كما في الحرب الأولى أنجز أصحاب الحرب نهايتها باتفاق مشرّف، وصلت الحرب الثانية – إذا صحّت التسمية – إلى اللحظة التي يقترب فيها ظهور الحل المشرّف مع إعلان وقف النار الأميركي الإيراني وفيه نص عن لبنان، فظهر خيار التفاوض وخرج منه الاتفاق في مسار لا يُخفى على عاقل أنه محاولة لمصادرة موقع لبنان في مسار مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لمنع الأذى عن “إسرائيل” التي قال رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إن حكومته كانت مهددة بإخراجها بالقوة من لبنان.

– تقول الوقائع إن دعوات التفاوض المباشر المتكررة منذ خريف العام 2025 وترجمتها بإضافة السفير السابق سيمون كرم إلى التفاوض غير المباشر، تمهيداً لما طرحه رئيس الجمهورية في التاسع من آذار؛ طرح رئيس الجمهورية مبادرة للتفاوض المباشر تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة القضايا الداخليّة في إطار سيادة الدولة. والقول إن ذلك جرى تحت ضغط الحرب إلا أن الوقائع تقول خلاف ذلك؛ لأن المفاوضات هي للقاء تحت سقفها وليس دعوة رئيس الجمهورية، خصوصاً بعدما تجاهلت “إسرائيل” هذا الطرح طوال شهر كامل. لكن في الثامن من نيسان تبدّل المشهد مع إعلان التفاهم الأميركي – الإيراني الذي شمل وقفاً لإطلاق النار، وكانت بيروت جزءاً من النقاش الدائر حول ترتيباته. وفي اليوم التالي مباشرة، التاسع من نيسان، أعلن بنيامين نتنياهو فجأة استعداده للتفاوض المباشر مع لبنان، متحدثاً عن “الطلبات اللبنانية المتكررة”، ومحدداً هدف المفاوضات بنزع سلاح حزب الله.

– السؤال البسيط هنا: إذا كانت “الطلبات اللبنانية المتكررة” موجودة منذ التاسع من آذار، فلماذا لم يوافق نتنياهو عليها طوال شهر؟ ولماذا تذكرها في اليوم التالي مباشرة للتفاهم الأميركي – الإيراني؟ أليس من المشروع الاستنتاج أن التفاوض أصبح بالنسبة إليه مخرجاً من استحقاق فرضه المناخ الإقليمي الجديد، لا استجابة للمبادرة اللبنانية؟ ثم إن الحجة التي تقول إن الحرب فرضت الاتفاق تصطدم بحقيقة أشد وضوحاً. فلو كانت الحرب هي التي دفعت السلطة إلى هذا الخيار، لكان المنطقي أن يبقى ترتيب الأولويات كما كان في اتفاق 2024: وقف النار والانسحاب أولاً، ثم معالجة الملفات الداخليّة بالحوار اللبناني. أما الذي حصل فهو العكس تماماً؛ إذ جرى قبول نقل الملف الداخلي إلى مقدّمة التفاوض، وربط حق لبنان في تحرير أرضه باستحقاق داخلي. وهنا لا يعود السؤال متعلّقاً بحزب الله ولا بالحرب، بل بمفهوم الدولة نفسه.

– هل يجوز لدولة أن تجعل انسحاب الاحتلال من أرضها مشروطاً بتنفيذ مطلب داخلي، أياً يكن هذا المطلب؟ وهل سبق في أي تجربة وطنية أن ربطت دولة تحرير أرضها بانتخاب رئيس، أو بتعديل دستوريّ، أو بإصلاح ماليّ، أو بأي شأن داخليّ آخر؟ أو نزع سلاح قوة محلية، حتى لو لم تكن هي المقاومة التي حرّرت لبنان ثم حمته طوال أكثر من ثلاثة عقود؟ وإذا كان التذكير بأن اتفاق الطائف ينص على أمر حصر السلاح وأحاديثه صحيحاً، فالصحيح أيضاً أن هناك بنوداً أخرى في الطائف لا تقل أهمية غير مطبقة، وهل الحل هو استحضارها للتطبيق في ظل عدوان خارجي أم على طاولة الحوار الداخلي؟ ثم أليست السلطة أمام عرضين متقابلين: واحد من “إسرائيل” يقول إنّها ستكون مستعدّة لمناقشة الانسحاب عندما تتحقق من نزع السلاح الداخلي في لبنان، وعرض من حزب الله يقول إنه سيكون مستعداً لمناقشة مصير السلاح عندما ينسحب الإسرائيلي من لبنان؟ أليس ما فعلته السلطة هو الاختيار بين العرضين ما يناسب الاحتلال وما يبدو تحقيقه العمليّ مستحيلاً، بحيث لا يبدو جعله ممكناً إلا بشرط تفجير عنف دمويّ يخاطر بوحدة البلد؟