Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر June 25, 2026
A A A
مفاوضات واشنطن.. إسرائيل تحاول تعويض ما خسرته في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”

تزداد مسارات التفاوض الإقليمية والدولية تعقيدًا، من إسلام آباد إلى بورغنشتوك في سويسرا وصولًا إلى واشنطن، فيما يبقى لبنان حاضرًا في صلب هذه المسارات.

وقد نجحت إيران، عبر ضغوط أميركية مورست على إسرائيل، في فرض وقف لإطلاق النار في لبنان، إلا أن ملف الانسحاب الإسرائيلي وآلياته التنفيذية لا يزال معلقًا بانتظار مآلات المفاوضات الجارية، حيث يسعى كل طرف إلى توظيفها لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية.

في هذا السياق، تبدو السلطة اللبنانية الطرف الأضعف في هذه المعادلة التفاوضية. فهي توحي بأنها تفاوض انطلاقًا من موقع سيادي مستقل، فيما تفتقر عمليًا إلى أوراق الضغط الفعلية التي تمكنها من فرض شروطها أو تحسين موقعها التفاوضي.

ويُنظر إلى أدائها على أنه تجاهل لـ”الهدية” التي قدمتها إيران عبر تثبيت وقف إطلاق النار، مقابل رهان مفرط على ما تصفه بالدعم الأميركي في مفاوضات واشنطن.

 

وقد أتاح ضعف الأداء الرسمي اللبناني، إلى جانب محدودية خبرة الوفد المفاوض، لإسرائيل نقل مسار التفاوض إلى ملعبها السياسي والأمني. فبعد تثبيت وقف إطلاق النار، انتقلت إلى محاولة فرض أجندتها الخاصة، سواء من خلال الدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله، أو التأكيد على فكرة المناطق التجريبية خارج الخط الأصفر، أو المطالبة بحق مراقبة أداء الجيش اللبناني.

وهي مطالب كادت أن تؤدي إلى انهيار المفاوضات بعدما تنبه الوفد العسكري اللبناني إلى أبعادها، فاعترض عليها بشدة وانسحب احتجاجًا، كما رفض الظهور في الصورة الرسمية للمفاوضات، والتي أظهرت ضعف حضور الوفد اللبناني بموازاة الحضور الإسرائيلي والأميركي.

 

ويبدو أن إسرائيل تعتمد استراتيجية تقوم على إدارة عدة مسارات متوازية في آن واحد. فهي تسعى إلى استثمار تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المتعلقة بسلاح حزب الله ووكلاء إيران في المنطقة، بهدف تكريس واقع احتلالي في الجنوب اللبناني، والحصول على مكاسب إضافية خلال المفاوضات تعزز موقعها الميداني والسياسي.

كما تعمل على طرح سيناريوهات انسحاب جزئي ومؤجل على مراحل زمنية طويلة، انتظارًا لما يأمله رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من تعثر أو فشل المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، بما قد يفتح الباب أمام استئناف الحرب ومنح إسرائيل فرصة جديدة لممارسة أقصى درجات الضغط العسكري على لبنان.

 

أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من الدور الذي لعبه الرئيس دونالد ترامب في الضغط على نتنياهو لوقف إطلاق النار، فإن عددًا من المسؤولين في الإدارة الأميركية وفي مقدمتهم الوزير روبيو يعملون بالتوازي على إعادة تعويم نتنياهو وتحسين موقعه داخل الساحة الإسرائيلية.

ويتجلى ذلك في المواقف الأميركية الداعمة له، وفي الخطاب السياسي الذي يتبناه نتنياهو نفسه، والذي ينسف عمليًا أسس أي تفاوض جدي، وذلك عندما يؤكد نيته البقاء في المنطقة العازلة، ويوجه رسالة إلى الداخل الإسرائيلي مفادها أن الوجود الإسرائيلي في لبنان سيستمر ما دام على رأس الحكومة، في إطار حسابات سياسية وانتخابية داخلية.

 

وفي هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة، التي وافقت خلال اجتماعات سويسرا على إنشاء خلية لمراقبة وقف إطلاق النار تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان وقطر كآلية أكثر جدية وفاعلية، مقتنعة بأن الانسحاب الإسرائيلي سيصبح في نهاية المطاف أمرًا واقعًا.

إلا أنها تسعى إلى إدراج هذا الانسحاب ضمن سياق مفاوضات واشنطن، بما يسمح بإظهاره كنتاج لتفاهمات لبنانية ـ إسرائيلية تخدم التوجهات الأميركية، وتؤدي في الوقت نفسه إلى فصل الملف اللبناني عن المسار الأوسع للمفاوضات الجارية في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران.

كل ذلك يؤكد أن ما خسرته إسرائيل في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية تحاول تعويضه في مفاوضاتها المباشرة مع لبنان الذي لا يريد الاستفادة جديًا من وقف إطلاق النار الآتي من إيران، فيما يبدو عاجزًا عن مجاراة الطموح الإسرائيلي المدعوم أميركيًا.