Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر June 25, 2026
A A A
أميركا تختبر رهانها الإسرائيلي وتنقلب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– لم تكن الحرب التي خاضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب دعماً لـ”إسرائيل”، من غزة إلى المواجهة مع إيران، مجرد اختبار عسكري، بل تحولت إلى اختبار سياسي داخلي أعاد فتح أسئلة قديمة حول حدود الالتزام الأميركي بأمن “إسرائيل” وكلفة هذا الالتزام على الاقتصاد الأميركي والاستقرار الداخلي. وإذا كانت الحروب السابقة قد عزّزت في العادة مكانة الإدارات الأميركية التي خاضتها، فإن الحرب الأخيرة انتهت على العكس، بعدما فرضت أسواق النفط، ومضيق هرمز، والانقسام داخل الكونغرس، وضغط الشارع، معادلة دفعت واشنطن إلى البحث عن وقف للحرب، ولو جاء ذلك على حساب بعض الأهداف التي أعلنتها “إسرائيل”.

– بدأ التحوّل مع حرب غزة. فمنذ أواخر عام 2023 شهدت الولايات المتحدة أكبر موجة احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين منذ حرب فيتنام. امتدت الاعتصامات إلى أكثر من مئة جامعة، ووقعت آلاف الاعتقالات في جامعات مثل كولومبيا، وهارفارد، وكاليفورنيا، وييل، وشيكاغو، وأصبحت القضية الفلسطينية جزءاً من النقاش الانتخابيّ داخل الحزب الديمقراطي، بعدما كانت تُعامل لعقود باعتبارها ملفاً خارجياً لا يؤثر في صناديق الاقتراع.

– جاءت الحرب على إيران لتوسّع هذا التحول. فقد أظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» بعد بدء الحرب أن 27% فقط من الأميركيين أيّدوا الضربات العسكرية، مقابل 43% عارضوها، بينما قال أكثر من نصف المستطلعين إنّهم يتوقعون ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود والسلع إذا استمرّت الحرب. وبعد وقف إطلاق النار، انخفضت نسبة الذين اعتبروا الحرب تستحق كلفتها إلى نحو ربع الأميركيين، فيما رأى ثلثا المستطلعين تقريباً أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب بسرعة لا لتوسيعها. ولم يكن هذا التحوّل نظرياً، بل ارتبط مباشرة بالخوف من أزمة طاقة عالمية إذا تعطّل المرور في مضيق هرمز، وهو ما أقرّ به مسؤولون أميركون عندما تحدثوا عن المخاطر الاقتصاديّة لأي مواجهة طويلة.

– في الشارع، لم تعُد التظاهرات محصورة بالناشطين التقليديين. فقد خرجت احتجاجات في نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس وشيكاغو وبوسطن وفيلادلفيا وسياتل وأتلانتا وسان فرانسيسكو، بدعوة من منظمات مثل «كود بينك»، و«ائتلاف ANSWER»، و”الصوت اليهوديّ من أجل السلام”، و«الاشتراكيّين الديمقراطيين في أميركا»، و«حركة الشباب الفلسطيني»، و«المجلس الوطني للإيرانيّين الأميركيّين». كما شاركت الحرب على إيران في توسيع حركة «لا ملوك» التي قالت الجهات المنظمة لها إن أكثر من أربعة ملايين شخص شاركوا في فعالياتها في أكثر من ألفي موقع داخل الولايات المتحدة، وكان رفض الحرب أحد شعاراتها الرئيسية.

– انتقل هذا التحوّل سريعاً إلى الكونغرس. ففي مجلس الشيوخ صوّت أربعة جمهوريّين هم راند بول، وسوزان كولينز، وليزار ماركوفسكي، وبيل كاسيدي، إلى جانب الديمقراطيين، لتقييد صلاحيات الرئيس في مواصلة الحرب على إيران من دون تفويض جديد من الكونغرس. وكشف هذا الانقسام أن الإجماع التقليديّ على الحروب المرتبطة بـ”إسرائيل” لم يعد قائماً حتى داخل الحزب الجمهوريّ، حيث برز أيضاً نواب مثل توماس ماسي ووارن ديفيدسون يعارضون الانخراط في حرب جديدة تحت شعار «أميركا أولاً».

– في داخل الحزب الديمقراطي، جاءت الانتخابات التمهيدية لتكشف أن التحوّل الشعبي بدأ ينعكس على صناديق الاقتراع. ففي نيويورك، لم يكن فوز زهران ممداني برئاسة البلدية هو الحدث الوحيد، بل ظهر بقوة حجم نجاحه في نقل ثقله السياسي إلى انتخابات الكونغرس. فقد فاز المرشحون الثلاثة الذين دعمهم، براد لاندر، وكلير فالديس، وداريا ليزا أفيلا شوفالييه، بينما خسر النائبان دان غولدمان وأدريانو إسبايات، وهما من الشخصيات القريبة من قيادة الحزب والمؤيدة لـ”إسرائيل” بدعم مالي ومعنوي من منظمة الأيباك الداعم الأول لـ”إسرائيل” واللوبي الصهيوني الأهم في أميركا. كما أصبح من المرجح أن يفوز المرشحون الثلاثة في الانتخابات العامة لأن دوائرهم ذات أغلبية ديمقراطية واضحة، ما يعني انتقال هذا التحول من الانتخابات التمهيديّة إلى تركيبة الكونغرس نفسه.

– لم يقتصر الأمر على نيويورك. ففي ميشيغان، وكولورادو، وإلينوي، وماين، وكارولاينا الشماليّة، خاض مرشحون تقدميون حملاتهم ضد منافسين اتهموهم بتلقي أموال من شركات السلاح ومنظمات الضغط المؤيدة لـ”إسرائيل”، وجعلوا من رفض الحرب على إيران ورفض الدعم العسكريّ غير المشروط لـ”إسرائيل” محوراً أساسياً في برامجهم. ومن أبرز هؤلاء عبد السيد، ونداء علام، وجولي غونزاليس، الذين اعتبروا أن الحرب أصبحت اختباراً لهوية الحزب الديمقراطيّ ومستقبله.

– في قلب هذه المعركة برز النقاش بقوة حول دور لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك». فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت «أيباك» واحدة من أقوى جماعات الضغط في واشنطن، ونجحت في بناء شبكة تمويل واسعة عبر لجنتها السياسية وذراعها الانتخابية «مشروع الديمقراطية المتحدة». وفي انتخابات 2024 أنفقت الشبكة عشرات ملايين الدولارات لدعم مرشحين مؤيدين لـ”إسرائيل”. أما في دورة 2026، فقد أنفقت مباشرة ما لا يقل عن خمسة ملايين دولار، إضافة إلى ما لا يقلّ عن 8.7 ملايين دولار عبر متبرعين ولجان سياسية مرتبطة بها في معارك تمهيدية، خصوصاً في إلينوي، مستخدمة لجاناً سياسيّة لم يُكشف ارتباطها بها إلا بعد انتهاء الاقتراع. ومع ذلك، لم تحقق النجاح الذي اعتادت عليه، إذ خسر بعض المرشحين الذين حظوا بدعمها، بينما تحوّلت معارضة «أيباك» نفسها إلى شعار انتخابيّ لدى عدد متزايد من المرشحين التقدميين.

– تشير مراجعة أجرتها «رويترز» إلى أن أكثر من مئة مرشح ديمقراطي حظوا بدعم مجموعات تعلن صراحة معارضتها لنفوذ «أيباك»، مثل «تراك أيباك» و«جاستس ديموقراطس»، وأن 73 منهم يخوضون أو خاضوا انتخابات ضد أعضاء حاليين في الكونغرس تلقوا دعماً من «أيباك» أو منظمات ضغط مؤيدة لـ”إسرائيل”. كما أظهرت بيانات «أوبن سيكرتس» التي استندت إليها «رويترز» أن النائب أدريانو إسبايات تلقى أكثر من 133 ألف دولار من «أيباك» وأنصارها في هذه الدورة، بعد أن تلقى 181 ألف دولار في انتخابات 2024، لكنه خسر رغم ذلك أمام داريا ليزا أفيلا شوفالييه. كما واجهت السيناتورة المرشحة في ميشيغان هايلي ستيفنز احتجاجات داخل مؤتمر الحزب الديمقراطي بعدما تلقت أكثر من 220 ألف دولار من «أيباك» وأنصارها.

– لا تعني هذه الوقائع أن النفوذ التقليدي لـ«أيباك» انتهى، فهو لا يزال من أقوى جماعات الضغط في واشنطن، ولا يزال الحزب الجمهوري أكثر ميلاً إلى تأييد “إسرائيل” من الحزب الديمقراطي. لكنها تشير إلى أن معادلة ظلت مستقرة لعقود بدأت تتغير؛ لأن الحرب على غزة ثم الحرب على إيران نقلتا النقاش من سؤال يتعلق بأمن “إسرائيل” إلى سؤال يتعلق بكلفة الدفاع عنها على الولايات المتحدة نفسها. وما كان يُعد قبل سنوات قليلة موقفاً هامشياً داخل الحزب الديمقراطي، أصبح اليوم برنامجاً انتخابياً يحقق انتصارات فعلية في الانتخابات التمهيدية، ويعيد رسم التوازنات داخل الكونغرس، ويجعل أي إدارة أميركية مقبلة مضطرة إلى حساب رد فعل الناخب الأميركي وأسعار الطاقة قبل حساب مطالب الحكومة الإسرائيلية، بما يمنح شعار أميركا أولاً بعداً مختلفاً جوهره فحص ما إذا كان المقصود ضمناً هو “إسرائيل” أولاً؟