Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 22, 2026
A A A
لبنان يفاوض عن نفسه… لكن النتائج تُحسم بعناصر القوة!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

في الوقت الذي نجح فيه الضغط الإيراني المتمثل بإعادة إغلاق مضيق هرمز في فرض وقف إطلاق النار في جنوب لبنان كبند أول في مذكرة التفاهم التي سبقت انطلاق المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في منتجع بورغنشتوك السويسري، تغرق السلطة اللبنانية في نقاش حول المصطلحات والتصريحات والبيانات التي تهدف إلى تجهيل الفاعل الحقيقي في وقف إطلاق النار، وتعميم هذا الإنجاز على دول الإقليم كافةً، فيما تُكثر من توجيه الشكر للولايات المتحدة التي رعت خمس جولات من المفاوضات المباشرة من دون أن تُفضي إلى أي نتيجة إيجابية.

على العكس من ذلك، فقد تزامنت تلك الجلسات مع تصاعد الوحشية الإسرائيلية قتلاً وتدميراً وتهجيراً وتجريفاً، حتى بدا وكأن السلطة لم يعد أمامها سوى أن تشكر إسرائيل على قبولها الجلوس مع الوفد اللبناني المفاوض.

ومن بين المصطلحات التي تكرّرها السلطة تلك العبارة “العنترية” القائلة إن “لبنان يفاوض عن نفسه ولا يقبل لأي كان أن يفاوض عنه”، في إشارة واضحة إلى إيران.

غير أن الولايات المتحدة فاوضت عملياً عن لبنان، وأصدرت وزارة خارجيتها بياناً يورّط السلطة اللبنانية في إطار سلام مع العدو الإسرائيلي، ويؤسس لشراكة معه تحت عنوان: “محاربة المقاومة”، من دون أن تحرّك هذه السلطة ساكناً أو تعترض على مصادرة سيادتها التفاوضية، أو على توريطها في صورة استسلامية تقوم على انسحاب أبناء الجنوب وبقاء جيش الاحتلال الإسرائيلي فيه، بما يؤسس لفتنة داخلية أو حرب أهلية تسعى إليها إسرائيل.

وأمام عمق ما يجري اليوم في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، والشروط التي نجحت الجمهورية الإسلامية في فرضها، تبدو السلطة اللبنانية بعيدة عن الواقع. فالعرب والإقليم والغرب يسيرون في اتجاه، فيما تبدو هي في اتجاه آخر، سعياً إلى إرضاء الأميركي الذي اضطر بنفسه إلى التنازل للإيراني وتنفيذ شروطه.

وبدل مراجعة الموقف وإعادة تقييم الخيارات، تتجه السلطة نحو مزيد من المكابرة، ويصرّ رئيس الحكومة نواف سلام على أن “لبنان سيفاوض عن نفسه”، وكأن المشكلة تكمن في هوية المفاوض لا في طبيعة الطرف الآخر.

والسؤال هنا: ماذا حققت جولات التفاوض الخمس المباشرة بين لبنان وإسرائيل في الملفات الجوهرية أو في الأولويات الوطنية المطروحة؟ وماذا ستحقق جلسة الغد في واشنطن؟ وهل أظهرت التجارب أن إسرائيل تمنح الحقوق أو توقف الحروب أو تتراجع عن احتلال بمجرد جلوسها إلى طاولة المفاوضات؟ أم أن كل ما تحقق سابقًا في مواجهتها جاء نتيجة موازين قوى ومقاومة وضغوط أجبرتها على التراجع والتنازل؟

لم يكن التفاوض يوماً قيمة بحد ذاته، بل هو أداة من أدوات السياسة.

وعندما تكون موازين القوى مختلة بالكامل، وعندما يكون الطرف المقابل مقتنعاً بأنه قادر على فرض شروطه بالقوة العسكرية والدعم الدولي، فإن الحديث عن المفاوضات المباشرة بوصفها طريقاً إلى الحل يبدو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقعية السياسية.

والمفارقة أن الرئيس نواف سلام، الذي طالب إيران قبل فترة بأن “ترحم لبنان”، وردّد آخرون هذا الشعار من خلفه، يجد نفسه اليوم أمام واقع سياسي يؤكد أن الملفات الكبرى في المنطقة لا تُحسم بالشعارات ولا بالشعبوية. فالجنوب لا يتوقف نزفه بفعل التصريحات، وإسرائيل لا تبدّل سلوكها بسبب الدبلوماسية وحدها، والحقوق اللبنانية لا تصان بمجرد إعلان لبنان أنه سيدير ملفاته التفاوضية بنفسه.

لا شك أن من حق لبنان أن يفاوض عن نفسه، لكن ذلك يحتاج إلى عناصر قوة تمنحه وزناً وحضوراً على طاولة التفاوض. أما الاكتفاء بالشعارات السيادية في مواجهة وقائع الغطرسة والهمجية والوحشية القائمة، فهو أشبه بمن يعتقد أن تغيير الكلمات كفيل بتغيير الحقائق والوقائع على الأرض.