Beirut weather 27.99 ° C
تاريخ النشر June 20, 2026
A A A
هل يريد ترامب إعادة لبنان إلى المظلة السورية؟
الكاتب: طارق ترشيشي

كتب طارق ترشيشي في الجمهورية 

تثير المواقف الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب في شأن لبنان وسوريا اهتماماً واسعاً، ليس فقط بسبب ما تضمنته من إشارات مباشرة إلى «حزب الله»، بل لأنّه للمرّة الأولى منذ أكثر من عقدين عاد الحديث عن دور سوري محتمل في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان.

 

إنّ أهمية هذه المواقف الترامبية لا تكمن فقط في مضمونها، بل أيضاً في توقيتها. فترامب لم يطرح فكرة إسناد ملف «حزب الله» إلى سوريا في مرحلة عادية، بل في لحظة تشهد تحولات إقليمية كبرى تتمثل في التفاهم الأميركي ـ الإيراني، وانطلاق المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، والبحث الدولي عن ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي بعد سنوات من الحروب والنزاعات. ومن هنا يصبح السؤال المطروح، ليس ما إذا كانت واشنطن تريد إعادة الوصاية السورية إلى لبنان فحسب، بل لماذا عاودت طرح العامل السوري أصلاً في هذا التوقيت بالذات؟

ويبدو أنّ الإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأنّ الحرب المفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله» لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأنّ المطلوب الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق إدارة التوازنات الأمنية الجديدة. وفي هذا السياق يمكن فهم كلام ترامب في اعتباره بحثاً عن بدائل إقليمية للحرب أكثر منه مشروعاً لإعادة إنتاج التجربة السورية السابقة في لبنان.

كما أنّ إشادة ترامب اللافتة بالرئيس السوري أحمد الشرع لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي توحي بأنّ واشنطن تنظر إلى سوريا الجديدة بوصفها شريكاً محتملاً في ترتيبات الاستقرار الإقليمي، بعدما كانت لعقود جزءاً من المشكلة في نظر الإدارات الأميركية المتعاقبة. ومن هنا قد يكون الحديث عن دور سوري مرتبطاً بمحاولة دمج دمشق في منظومة أمنية وسياسية جديدة في المشرق العربي بعد التفاهم مع إيران.

لكن ثمة احتمالاً آخر لا يقلّ أهمية، وهو أن يكون ترامب يوجّه رسالة ضغط غير مباشرة إلى «حزب الله» وإلى القوى اللبنانية المختلفة، مفادها أنّ البيئة الإقليمية تتغيّر، وأنّ التسويات المقبلة قد تفرض معادلات جديدة لم تكن مطروحة في السابق. وفي هذه الحال، يصبح الكلام عن سوريا جزءاً من أدوات الضغط السياسي والتفاوضي أكثر منه تصوراً عملياً جاهزاً للتنفيذ.

ومع ذلك، فإنّ الانتقال من هذه الطروحات النظرية إلى الواقع يصطدم بعقبات كبيرة. فلبنان اليوم يختلف جذرياً عن لبنان الذي خضع للنفوذ السوري طوال سنوات. كما أنّ سوريا نفسها تختلف عن سوريا التي كانت تمتلك عشرات الآلاف من الجنود على الأراضي اللبنانية، وتحظى بتفويض إقليمي ودولي لإدارة الملف اللبناني. فلا الظروف الداخلية اللبنانية تسمح بعودة وصاية من هذا النوع، ولا الواقع السوري الحالي يمنح دمشق القدرة أو الرغبة في تحمّل أعباء دور مماثل.

بل إنّ أي محاولة لتكليف سوريا مهمّة التعامل مع «حزب الله» داخل لبنان قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. فالحزب ليس مجرد تنظيم عسكري يمكن احتواؤه من الخارج، بل مكوّن سياسي واجتماعي لبناني أساسي. وبالتالي فإنّ أي تدخّل خارجي مباشر في هذا الملف قد يهدّد بإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية وفتح أبواب توترات جديدة، يحتاج لبنان وسوريا والمنطقة كلها إلى تجنبها في هذه المرحلة الدقيقة.

من هنا تبدو الخطورة الحقيقية في كلام ترامب لا في احتمال عودة الجيش السوري إلى لبنان، وهو احتمال ضعيف جداً، بل في كونه يعكس استمرار النظر إلى لبنان بوصفه جزءاً من الترتيبات الإقليمية الكبرى التي تتفاوض عليها القوى الدولية والإقليمية. فمجرد طرح فكرة إسناد ملف لبناني داخلي إلى دولة مجاورة، يكشف أنّ مستقبل لبنان لا يزال يُناقش في بعض العواصم من زاوية الأمن الإقليمي أكثر مما يُناقش من زاوية السيادة الوطنية.

فعندما قال ترامب إنّ «الحرب في لبنان مسألة ثانوية»، وإنّه اقترح على إسرائيل أن «تتولّى سوريا أمر حزب الله»، مضيفاً أنّه «إذا لم تستطع إسرائيل القيام بالمهمّة من دون قتل آخرين، فعلى سوريا أن تقوم بها»، فإنّ الأمر يتجاوز مجرد تعليق عابر أو موقف إعلامي. فهذه المواقف تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الترتيبات الإقليمية التي قد تنتج من التفاهم الأميركي ـ الإيراني، وحول موقع لبنان فيها، وما إذا كانت واشنطن تفكر فعلاً بإسناد دور أمني أو سياسي متقدّم لسوريا داخل الساحة اللبنانية.

في الظاهر، تبدو الفكرة غريبة. فلبنان خرج من مرحلة الوصاية السورية عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية تحت ضغط داخلي ودولي واسع. ومنذ ذلك التاريخ تَشكّل إجماع لبناني عريض، وإن بدرجات متفاوتة، على رفض العودة إلى مرحلة الهيمنة السورية المباشرة على القرار اللبناني.

لكن قراءة كلام ترامب في سياقه الإقليمي توحي بأنّ المقصود ليس بالضرورة إعادة إنتاج النموذج السوري القديم، بل البحث عن طرف إقليمي قادر على المساهمة في ضبط الحدود ومنع تحوّل لبنان مجدداً ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.

فالتحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في مقاربتها لسوريا. فالإدارة الأميركية الحالية تتعامل مع الرئيس السوري أحمد الشرع في اعتباره شريكاً محتملاً في استقرار المشرق، وقد حرص ترامب نفسه على الإشادة به قائلاً إنّه «مذهل»، وإنّه «نظّم كل أمور سوريا». وهذا الثناء لم يكن مجرد مجاملة ديبلوماسية، بل يعكس توجّهاً أميركياً لمنح دمشق دوراً إقليمياً أكبر مقابل استمرارها في الابتعاد عن المحور الإيراني والمساهمة في ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة.

غير أنّ الانتقال من هذا التصور النظري إلى الحديث عن دور سوري داخل لبنان يصطدم بعقبات هائلة، أولها أنّ لبنان اليوم ليس لبنان التسعينيات. فالتوازنات الداخلية تبدّلت جذرياً، كما أنّ المجتمع اللبناني بمختلف مكوناته السياسية والطائفية لا يبدو مستعداً لتقبّل أي وصاية خارجية جديدة، سواء كانت سورية أو غير سورية. وحتى القوى التي احتفظت تاريخياً بعلاقات وثيقة مع دمشق تدرك أنّ الظروف التي سمحت بالدور السوري السابق لم تعد قائمة لا إقليمياً ولا دولياً ولا لبنانياً.

أما العقبة الثانية فتتعلق بسوريا نفسها. فعلى رغم من التحسن النسبي في أوضاعها الداخلية، لا تزال الدولة السورية تواجه تحدّيات اقتصادية وأمنية هائلة داخل حدودها. كما أنّ أولويات القيادة السورية الحالية تتركّز على إعادة تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار واستعادة الشرعية الدولية وجذب الاستثمارات العربية والدولية.

ومن هذا المنطلق، يصعب تصور أنّ دمشق مستعدة لتحمّل أعباء الانخراط في الملف اللبناني المعقّد، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع «حزب الله» داخل لبنان. فمثل هذا الخيار لا يحمل لسوريا مكاسب واضحة بمقدار ما يفتح عليها أبواب أزمات جديدة هي في غنى عنها.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الحديث عن أن تتولّى سوريا «مهمّة التعامل مع حزب الله» يطرح سؤالاً أساسياً حول القدرة الفعلية على تنفيذ مثل هذا السيناريو. فالحزب ليس تنظيماً عابراً للحدود يمكن التعامل معه من الخارج، بل هو قوة سياسية وعسكرية واجتماعية لبنانية متجذرة في البيئة الداخلية، وتمتلك حضوراً واسعاً في مؤسسات الدولة والمجتمع. وبالتالي فإنّ أي محاولة خارجية لفرض معالجة أمنية لهذا الملف من شأنها أن تؤدي إلى انفجار داخلي واسع بدلاً من تحقيق الاستقرار.

ولهذا السبب، تبدو فرضية التدخّل السوري المباشر في لبنان ضعيفة جداً، سواء من الناحية السياسية أو العسكرية أو العملية. فحتى لو كانت واشنطن ترى في دمشق شريكاً إقليمياً جديداً، فإنّ الدور السوري المحتمل سيبقى على الأرجح محصوراً في المساعدة على ضبط الحدود السورية ـ اللبنانية، ومنع تهريب السلاح والمسلحين، والمساهمة في التفاهمات الإقليمية المتعلقة بأمن المشرق، لا في إدارة الوضع الداخلي اللبناني أو الحلول محل الدولة اللبنانية.

وربما تكمن أهمية كلام ترامب في مكان آخر. فهو يعكس رغبة أميركية في نقل ملف «حزب الله» من خانة المواجهة العسكرية الإسرائيلية المباشرة إلى خانة المعالجات السياسية والإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة تدرك أنّ استمرار الحرب المفتوحة في لبنان يهدّد التفاهمات التي تمّ التوصل إليها مع إيران، كذلك تدرك أنّ إسرائيل لا تستطيع الذهاب إلى مواجهة دائمة من دون أثمان سياسية وأمنية متزايدة.

ومن هنا يمكن فهم الاقتراح الأميركي في اعتباره محاولة للبحث عن بدائل إقليمية للحرب أكثر منه مشروعاً فعلياً لإعادة الوصاية السورية على لبنان.

في أي حال لا تبدو عودة الوصاية السورية إلى لبنان احتمالاً واقعياً في ظل المعادلات اللبنانية والإقليمية الحالية، كما أنّ سوريا أحمد الشرع لا تملك لا الظروف ولا المصلحة التي تسمح لها بلعب الدور الذي أدّاه النظام السوري السابق لعقود.