Beirut weather 25.21 ° C
تاريخ النشر June 16, 2026
A A A
إيران تسقط أحلام نتنياهو وإسرائيل الكبرى والعظمى
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم يكن مشروع نتنياهو حرباً على بند نووي إيراني، ولا عملية حدودية ضد حزب الله. كان مشروعاً تاريخياً معلَناً: «تغيير الشرق الأوسط»، كما قال هو نفسه، و«إزالة تهديد وجودي»، كما صاغ بيان الجيش الإسرائيلي عملية «زئير الأسد» بوصفها حرباً أميركية ـ إسرائيلية مشتركة ضد إيران. هنا كان نجاح نتنياهو الأول والأكبر، أنه جرّ واشنطن إلى حربه، وجعلها تقاتل تحت عنوان افترضت أنه يخدم أهدافاً أميركيّة، بينما كانت تخدم الخطة الإسرائيلية في جوهرها. بمعيار النتائج، بعدما كان سقف ما تم تحصيله في التفاهم المعلن لإنهاء الحرب دون ما كان ممكناً تحصيله في مفاوضات جنيف ومسقط، حيث لم تكن هناك قضية لبنان ولا قضية هرمز، ويكفي ما قاله جو كينت، الرئيس السابق للمركز القومي الأميركي لمكافحة الإرهاب، إن الاستخبارات الأميركية كانت متفقة قبل الحرب على أن إيران لا تطوّر سلاحاً نووياً، مضيفاً أن الحرب التي دخلتها أميركا ضد إيران هي حرب بنيامين نتنياهو، ثم عاد كينت بعد التفاهم ليقول إن فرص صموده تتعزّز بقطع المساعدة العسكرية والاستخبارية عن “إسرائيل”، أي بإخراج “إسرائيل” من القدرة على تخريب الاتفاق.

كان مشروع نتنياهو يقوم على ركيزتين: “إسرائيل” الكبرى و”إسرائيل” العظمى. “إسرائيل” الكبرى القائمة على التوسّع ونهش جغرافيا الجوار وصولاً إلى ما هو أبعد، وقد ظهرت عارية في سورية، حيث لم تكن هناك مقاومة ولا حزب الله ولا حكومة تعادي “إسرائيل”، وحيث الذرائع صفر تقدّمت “إسرائيل” واحتلت وتوسّعت. وقال نتنياهو في جبل الشيخ إن “إسرائيل” ستبقى لألف عام قادم، وهذا ليس إعلاناً أمنياً بل هو الإعلان بأن الجغرافيا صارت جزءاً من العقيدة. وبالمقابل، فإن قبول ترامب بتفاهم يفتح باب وقف النار والانسحاب، ولو تدريجياً، لا يسقط مجرد احتلال موضعيّ، بل يسقط نظرية المناطق العازلة التي كان يراد تعميمها من لبنان إلى غزة وسورية.

أما “إسرائيل” العظمى فكانت تعني إخضاع المنطقة كلها لمنظومة تقودها تل أبيب تحت اسم اتفاقات أبراهام. لذلك لم يكن عرض ترامب على القادة العرب والمسلمين الانضمام إلى هذه الاتفاقات تفصيلاً جانبياً، بل كان الثمن السياسي الذي طلبته “إسرائيل” مقابل السير بتفاهم مع إيران. وقد كشف ليندسي غراهام مضمون حوار ترامب مع قادة البلاد العربية والإسلامية عبر القناة المغلقة حين تحدّث عن «عواقب وخيمة» إذا لم تلتحق السعودية وباكستان ودول أخرى بالاتفاقات، بينما نقلت الصحافة الإسرائيلية أن طلب ترامب قوبل بالصمت.

هنا يبدأ كشف الحساب. إيران لم تُشطب من المعادلة. حزب الله لم يُمحَ. واشنطن لم تبقَ أسيرة خطة نتنياهو. والتفاهم الأميركي ـ الإيراني جعل “إسرائيل”، لا إيران، مطالبة بدفع فاتورة الحرب؛ في لبنان بوقف النار والانسحاب، وفي الإقليم بالتسليم بأن إيران بقيت طرفاً مقرِّراً لا يمكن تجاوزه. ولذلك تحدثت رويترز عن اصطدام نتنياهو بعقبة تفوق طاقته اسمها ترامب بعد الاتفاق، وتقييد قدرة “إسرائيل” على مواصلة العمل العسكري في لبنان. وتحدّثت أسوشيتد برس عن غضب إسرائيلي واسع يرى في الاتفاق فشلاً استراتيجياً يضعف “إسرائيل” ويقوّي إيران، وعن اتهامات لنتنياهو بأنه جرّ أميركا إلى الحرب ثم وجد نفسه خارج غرفة الاتفاق.

حتى في الداخل الإسرائيلي لم يعد النقاش عن شرق أوسط جديد تقوده “إسرائيل”، بل عن فشل الأهداف. فقد بات نتنياهو مضطراً إلى الدفاع عن الحرب بالقول إن أهدافها تحققت، بعدما كانت الوعود تتحدّث عن سحق حزب الله وإزالة التهديد الإيراني. وفي المقابل، تقول الصحافة الغربية والإسرائيلية إن الاتفاق يجبر “إسرائيل” على وقف عمليّاتها ضد إيران من دون تحقيق هدف تحييد البرنامج النووي والصاروخي ولا إنهاء حزب الله.

بهذا المعنى، انتقل نتنياهو من وهم القمة إلى حقيقة الهاوية. نجح في أن يجعل أميركا تخوض حربه، وهي تجبره على دخول سلامها، نجح في فتح باب الحرب، لكن باب التسوية أُغلق على أصابعه وطرف ثوبه. أراد “إسرائيل” كبرى تتمدد فوق الجغرافيا، فإذا بلبنان يفتح طريق إسقاط نظرية المناطق العازلة. وأراد “إسرائيل” عظمى تقود المنطقة باتفاقات أبراهام، فإذا بالمنطقة ترفض، وإيران تعود إلى الطاولة، وواشنطن توقع معها.

يكفي لقراءة المشهد الانتباه إلى أن واحداً من أبرز المحللين العسكريين في “معاريف”، آفي أشكنازي، اختصر القصة كلها بجملة أصبحت عنواناً سياسياً لا تعليقاً صحافياً: “خرجنا إلى حرب زئير الأسد وعدنا مع مواء القط”. والأهم من العبارة نفسها هو السياق الذي وردت فيه؛ فهو يتحدّث عن حرب قيل للإسرائيليين إنها ستعيد ترتيب الشرق الأوسط وتزيل التهديدات الوجودية وتغير الواقع في لبنان وإيران، ثم انتهت ـ بحسب توصيفه ـ إلى وضع أصبحت فيه “إسرائيل” في “أصعب وضع في المنطقة”، فيما حصلت إيران على اعتراف أميركي بدورها في لبنان، وصار الجمهور الإسرائيلي يرى ما جرى باعتباره “دعاية وخدعة سياسية لتبرير الفشل”. هذه ليست رواية خصوم نتنياهو في الخارج، بل رواية تصدر من قلب المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية. ولذلك فإن قيمة عبارة “زئير الأسد ومواء القط” أنها لا تسخر من نتيجة معركة، بل من الفجوة بين حجم الوعد وحجم النتيجة.