Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 11, 2026
A A A
حافة الهاوية في هرمز: تسوية قسرية أم حرب استنزاف؟
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

شهدت منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز خلال الساعات الماضية تصعيداً عسكرياً هو الأخطر منذ أشهر، واضعاً “الهدنة المؤقتة” بين الولايات المتحدة وإيران في مهب الريح. الحادثة التي بدأت باصطدام مسلّح في الأجواء، وسرعان ما تحوّلت إلى جولة ضربات انتقامية متبادلة، تضع استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدبلوماسية أمام اختبارها الأصعب: هل تنجح لعبة “حافة الهاوية” وإطلاق التصريحات المتناقضة في إجبار طهران على توقيع اتفاق شامل، أو تفشل ويضطر ترامب الى قبول التسوية التي ترضي طهران؟ أم أن ديناميكية التصعيد الإقليمي ستخرج عن السيطرة؟

 

أولاً: شرارة هرمز…

سابقة تكنولوجية وردّ مدروس

وفقاً للمعلومات الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية الأميركية، فإنّ سقوط مروحية “الأباتشي” جاء نتيجة اصطدام جوي بمُسيّرة انتحارية إيرانية فوق مياه الخليج. ورغم خطورة الحادثة، إلا أنها سجلت سابقة تكنولوجية وعسكرية لافتة؛ إذ تمّ إنقاذ الطيارين الأميركيين بنجاح دون إصابات.

هذا “الصفر في الخسائر البشرية” منح إدارة ترامب هامشاً للمناورة؛ حيث جاء الردّ العسكري عبر ضربات جوية “دفاعية ومتناسبة” استهدفت 20 موقعاً وبنية تحتية تابعة للقوات البحرية للحرس الثوري الإيراني على طول الساحل الجنوبي (من بندر عباس إلى كوه مبارك). وفي المقابل، جاء الردّ الإيراني المقابل سريعاً بقصف صاروخي استهدف 21 هدفاً في قواعد تضمّ قوات أميركية في الأردن والبحرين والكويت، ليعلن الطرفان ـ ضمنياً ـ انتهاء جولة الردع المباشر السريعة.

 

ثانياً: “تكتيك حافة الهاوية”…

تفكيك تصريحات ترامب المتناقضة

اللافت في هذه الأزمة ليس التصعيد العسكري بحدّ ذاته، بل السلوك السياسي والإعلامي للرئيس ترامب، والذي تراوح في غضون ساعات قليلة بين ذروة التهديد العسكري والتهوين السياسي؛ وهو ما يعكس تطبيقاً حرفياً لعقيدته القائمة على التفاوض تحت النار في محاولة لانتزاع التنازلات في ربع الساعة الأخير.

ففي الوقت الذي كان فيه وفد قطري رفيع المستوى يحلّ في العاصمة الإيرانية طهران حاملاً رسائل ومقترحات أميركية لتقريب وجهات النظر وسدّ الفجوات المتبقية في مسودة الاتفاق، فجّر ترامب موجة من التصريحات المتناقضة التي تخدم أهدافاً محددة على جبهتين:

1 ـ المسار التفاوضي الخارجي (عصا التهديد وجزرة النجاح)،

خرج ترامب بتصريح حادّ هدّد فيه بضرب عمق إيران ومؤسساتها العسكرية، متهماً طهران بـ”المماطلة ولعب دور المخادع”، ومشدّداً على أنهم تأخروا كثيراً في التوقيع وكان عليهم مراجعة حساباتهم”. لكنه، في اليوم ذاته، فاجأ هيئة البث الإسرائيلية بتصريح معاكس تماماً قال فيه: “إننا نتقدّم بشكل ممتاز مع إيران، والطرفان يطمحان لوقف إطلاق نار فوري”.

هذا التناقض المدروس يهدف إلى رفع الكلفة النفسية والسياسية على صانع القرار الإيراني؛ حيث يرسل ترامب رسالة واضحة لطهران مفادها أنّ الصفقة جاهزة والتقدم ممتاز، ولكن إذا واصلتم المناورة والمماطلة مستغلين حادثة الأباتشي، فإنّ إصبعي على الزناد والضربات المقبلة ستكون قاسية ومدمجة للاقتصاد.

2 ـ مخاطبة الجبهة الداخلية والخارجية،

يسعى ترامب من خلال هذه البهلوانية السياسية إلى إرضاء ومخاطبة أطراف متعددة ومتباينة المصالح:

صقور الداخل الأميركي: التهديد بالضرب الفوري يرضي القناعات القومية والجناح المؤيد للحرب في واشنطن، مبرزاً صورة الرئيس القوي الذي لا يتسامح مع أيّ مساس بالجيش الأميركي.

القاعدة الشعبية الداعية للتسوية: التبشير بـ”التقدم الممتاز” يطمئن ملايين الناخبين الأميركيين الذين صوّتوا لترامب بناءً على وعده الصارم بإنهاء “الحروب الأبدية” وعدم الانزلاق إلى مستنقعات عسكرية جديدة.

الحليف الإسرائيلي المتوجس: اختيار ترامب لـ”هيئة البث الإسرائيلية” بالذات ليعلن من خلالها أنّ الأمور تسير بشكل ممتاز مع إيران، يحمل رسالة كبح جماح واضحة لحكومة بنيامين نتنياهو. ترامب يقول لتل أبيب إنّ واشنطن تدير المشهد الدبلوماسي بقوة، وإنّ أيّ تصعيد إسرائيلي غير منسّق في المنطقة قد يفسد اللعبة.

 

ثالثاً: آفاق الصراع…

بين تسوية قسرية وحرب استنزاف

تتأرجح المنطقة اليوم على حدّ سكين بين مسارين لا ثالث لهما، حيث لم يعد هناك متسع للمساحات الرمادية…

السيناريو الأول: التسوية التاريخية القسرية (الأكثر ترجيحاً)،

يفترض هذا المسار أنّ الطرفين وصلا إلى ذروة التعبير عن عناصر القوة الخشنة، وأنّ هذه الجولة لن تؤدي إلى إلغاء مسودة الاتفاق التي جرى إعدادها، بل ستفرض تسوية قسرية بدافع “الإنهاك المتبادل”. واشنطن بحاجة لإنهاء إغلاق مضيق هرمز المستمر منذ أشهر والذي رفع أسعار الطاقة وتكاليف التأمين البحري عالمياً، وطهران بحاجة ماسة لمتنفس اقتصادي يرفع عنها الحصار البحري الخانق. بناءً على ذلك، قد تُستأنف المفاوضات عبر الوسيط القطري ولكن سقف الشروط الأميركية المتشدّدة تقابل بتصميم إيران على الصمود في مواجهتها والتمسك بثوابتها السيادية وحقوقها النووية وانّ التهديدات بضرب البنى التحتية الايرانية دليل ضعف ولا ترهب الشعب الايراني، كما قال الرئيس بزشكيان، ما يجعل المخرج من هذا صراع الارادات هذا، قبول ترامب بالتسوية التي نصت عليها مذكرة التفاهم قبل ان يعود وينقلب عليها عبر طرح شروط جديدة.

السيناريو الثاني: انهيار الهدنة وترابط الساحات،

يظلّ هذا هو السيناريو البديل والأخطر، ويرتبط مباشرة بمدى قدرة واشنطن على ضبط السلوك الإسرائيلي. فبالتزامن مع أحداث هرمز، تشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً “إسرائيلياً” عنيفاً ضدّ مدينة صور ومحيطها بعد أوامر إخلاء شاملة. ونظراً لأنّ طهران تربط بشكل وثيق بين أمن الخليج وتأمين جبهات حلفائها، فإنّ أيّ توغل “إسرائيلي” واسع قد يدفع إيران لتفجير المشهد كاملاً في الممرات المائية لحماية أوراقها الإقليمية، وعندها ستفلت المكابح من يد البيت الأبيض وتتحوّل المنطقة قسراً إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

انطلاقا مما تقدّم يمكن القول: لم تمت المفاوضات الأميركية الإيرانية بعد سقوط “الأباتشي”، بل دخلت مرحلة “التفاوض تحت النار”. إنّ محاولة ترامب ممارسة لعبة “حافة الهاوية” بعقلية رجل العقارات ـ يرفع السعر ويهدّد بترك الطاولة صاخباً، ثم يبتسم ليؤكد قرب توقيع الصفقة ـ هي مقامرة عالية المخاطر. والأيام القليلة المقبلة ستحدّد ما إذا كان الشرق الأوسط سينزلق إلى حرب استنزاف إقليمية ممتدّة أم سيتجه نحو تسوية تاريخية قسرية يوقع عليها الجميع مدفوعين بحدّ السيف وبكلفة الحرب الباهظة.