Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 11, 2026
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: واشنطن تضع لبنان أمام اختبار حصرية القرار الوطني…
الكاتب: الجمهورية

في بيروت، لا تبدو جولة الـ22 من حزيران محطة تفاوضية عادية، بل اختبارا لعودة الدولة إلى مقعدها الطبيعي في تقرير الحدود، والسلاح والحرب والسلم. فرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، يحاول نقل النقاش من صخب المزايدات إلى منطق المؤسسات، ومن ذاكرة الوصايات إلى منطق السيادة. لبنان الذي أرهقته الحروب بالوكالة لم يعد يملك ترف انتظار خرائط الآخرين، ولا قدرة على دفع أثمان قرارات تُتخذ خارجه. لذلك يصبح التفاوض، حين تقوده الدولة، فعلاً سيادياً لا إشارة ضعف، ويصبح الجيش معيار الاستقرار لا تفصيلاً تقنياً في محاضر المفاوضين. وهنا تكمن استراتيجية عون: تحويل الألم الوطني إلى سياسة مسؤولة تردّ لبنان إلى نفسه وقراره أولاً.

 

كشفت مصادر حكومية لـ«الجمهورية»، أنّ جولة واشنطن بين لبنان وإسرائيل ستأخذ طابعاً عسكرياً تنفيذياً، لا سياسياً استعراضياً، لأنّها ستذهب إلى التفاصيل التي تصنع الاستقرار أو تفشله: المناطق التجريبية، خطوط الانسحاب، تقليص الطلعات الجوية، قواعد حرية الطيران، دعم الجيش، وآليات المراقبة الدولية.

 

هذه العناوين ليست تقنية باردة، بل ترجمة عملية لسؤال السيادة. مَن يراقب الالتزام بوقف إطلاق النار؟ كيف يتمّ ملء الفراغ؟ ومَن يملك حق القول إنّ الحرب انتهت أو ستعود؟ إذا نجحت الدولة في انتزاع الأجوبة من داخل المؤسسات، يصبح التفاوض باباً لاستعادة القرار، لا ممراً لتكريس الأمر الواقع مجدداً على الحدود والداخل. في مرحلة لا ترحم الارتباك الوطني أبداً اليوم.

 

فالرئيس عون لا يطرح المفاوضات بوصفها قفزة في المجهول، بل بوصفها استعادة متدرجة لوظيفة الدولة التي صودرت طويلاً باسم الضرورات. عندما يقول إنّ الهدف من واشنطن هو أن لا يبقى اللبنانيون تابعين لأي كان، فهو لا يخاطب الخارج وحده، بل الداخل أيضاً. فالوصاية ليست فقط جيشاً غريباً أو سفارة نافذة؛ الوصاية قد تكون سلاحاً يتقدّم على الدستور، أو حزباً يفاوض ضمناً باسم البلاد، أو خوفاً يمنع اللبنانيين من تسمية حقهم في دولة واحدة. بهذا المعنى، يفتح عون مواجهة سياسية هادئة، لكنها عميقة، مع فكرة أنّ لبنان لا يستطيع العيش إلّا كمساحة نفوذ متنازع عليها. بين الآخرين مهما تبدّلت أسماؤهم وشعاراتهم ومصالحهم الخارجية.

 

رسالة بعبدا

 

أمام ممثلي المرجعيات الروحية، بدت رسالة بعبدا أكثر وضوحاً: لا وحدة وطنية خارج الدولة، ولا دولة تحت رحمة الغرائز الطائفية. تبنّي عون مضامين القمّة الروحية لم يكن مجاملة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة وصل السلم الأهلي بالقرار السيادي. فالطائفية تصبح خطراً مضاعفاً عندما تتحول ستاراً لسلاح منفلت أو منصة لتخوين الشريك. ولبنان، كما قال الرئيس، لا يعيش إلّا بجناحيه المسيحي والمسلم؛ لكن هذا العيش لا يستقيم إذا ظل كل جناح أسيراً لخوفه، وكل طائفة تبحث عن حماية بديلة. الحماية الوحيدة الممكنة هي دولة عادلة، وجيش شرعي، ومؤسسات لا تخضع لابتزاز الشارع والسلاح. ولا تنكسر أمام الحسابات الفئوية في الأزمنة الصعبة جداً.

 

ومن باريس، قال وزير الخارجية يوسف رجي أمام البرلمان الفرنسي، إن الحرب فُرضت على لبنان خدمة لأجندات خارجية، وإنّ التفاوض يُدار حصراً من الدولة ولمصلحة لبنان.

 

موسى يلتقي بري

 

وفي عين التينة، أظهر كلام السفير المصري علاء موسى بعد لقائه الرئيس نبيه بري، أنّ القاهرة تتحرّك على أرضية واقعية: وقف شامل لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي، عودة سيطرة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وتزامن الخطوات بما يمنع الفراغ أو الانفجار. الأهم أنّ موسى قال إنّ ما سمعه من بري لا يبتعد كثيراً عن مواقف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. هذه الإشارة تكسر رواية الانقسام المطلق بين الرئاسات، وتؤكّد أنّ مساحة مشتركة موجودة، ولو بقيت التفاصيل شائكة. في بلد اعتاد صناعة الأزمات من الفوارق، يصبح التقاطع على الثوابت فرصة لا يجوز تبديدها. بل يجب تحويلها إلى سياسة تنفيذية سريعة ومحسوبة وطنياً.

 

لقاء الشيخ تميم وجنبلاط

 

وتأتي الدوحة لتضيف إلى المشهد بعداً عربياً ضرورياً. لقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بوليد جنبلاط وتيمور جنبلاط لم يكن بعيداً عن سؤال لبنان المركزي: كيف تخفض التوترات، وتنتهي حالة الحرب، وتتحرّر الورقة اللبنانية من طاولات الآخرين؟ كلام النائب هادي أبو الحسن عن خارطة طريق تنطلق من مساري باكستان وواشنطن، يعكس وعياً بأنّ لبنان لا يعيش في فراغ، لكنه لا يجب أن يكون رهينة له. قطر، ومعها السعودية ومصر، تستطيع أن توفر مظلة عربية ضاغطة باتجاه الضمانات الأميركية، ووقف التصعيد الإسرائيلي، والخطوات المتقابلة التي تمنع التلاعب بالوقت وبالأرض. وتعيد الأولوية إلى مصلحة لبنان قبل حسابات المحاور المتصارعة.

 

لكن الخلفية الإقليمية لا تسمح بالاطمئنان. التوتر الأميركي- الإيراني يتصاعد حول النفط والمضائق والبرنامج النووي والضربات المتبادلة، ودول الخليج ترفع صوتها ضدّ الهجمات الإيرانية، والأمم المتحدة تحذّر من انزلاق وقف النار إلى مواجهة أوسع. في هذا المناخ، يصبح لبنان أكثر عرضة لأن يتحول مجدداً إلى صندوق رسائل. لذلك تبدو سياسة عون دفاعاً وقائياً عن البلد قبل أن تكون مبادرة تفاوضية. فهو يدرك أنّ أي فراغ لبناني سيملؤه الخارج، وأنّ أي تردّد في تثبيت حصرية القرار سيمنح الآخرين حجة لاستخدام الجنوب ورقة ضغط أو ساحة اختبار. وهذا ما تسعى الرئاسة إلى قطعه بسياسة هادئة لكن صارمة في معناها ووجهتها الوطنية النهائية.

 

زيارة هيكل لباكستان

 

وفي ما يتعلق بزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان، فلا يجوز تضخيم حجمها الفعلي، إذ انّها تناولت التعاون العسكري والتدريب والدعم، واطلاعاً على قدرات صناعية دفاعية وفرص تعاون مستقبلية. وقد أفاد مسؤول كبير لـ«الجمهورية»، أنّ الزيارة لا علاقة لها بالمفاوضات بين واشنطن وطهران، خلافاً لما نُشر في وسائل إعلام محلية. هذا التوضيح ضروري لأنّ لبنان لا يحتاج إلى أساطير إضافية، بل إلى قراءة دقيقة. الجيش يحتاج إلى دعم وقدرات، لا إلى تحويل كل حركة لقائده إلى إشارات غامضة. تربك المسار الرسمي وتُضعف الثقة العامة في لحظة حساسة ومفتوحة جداً الآن. المعركة الحقيقية، إذن، هي معركة المعنى السياسي للدولة. هل تكون الدولة مجرد واجهة يختبئ خلفها الجميع، أم سلطة تقرّر وتنفّذ؟ هل يكون التفاوض باباً لعودة الجيش والنازحين والاستقرار، أم فرصة جديدة لتبادل الاتهامات قبل أن يبدأ؟

 

عون: المفاوضات تستحق فرصة

 

الرئيس عون اختار أن يواجه بالمسؤولية بدل أن يختبئ خلف البلاغة. قال إنّ الحرب لم توصل إلى الهدف، وإن حصيلتها آلاف الضحايا وخسائر بمليارات الدولارات، وإنّ المفاوضات تستحق فرصة قبل الحكم عليها. هذه ليست براءة سياسية، بل واقعية قاسية. فالبلد الذي ينهار اقتصادياً واجتماعياً لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على شعارات البطولة. ولا أن يدفع ثمن قرارات لا يملك مراجعتها أو محاسبتها وطنياً.

 

لذلك، تبدو جولة واشنطن المقبلة أكبر من اجتماع عسكري، وأضيق من تسوية تاريخية. إنّها لحظة قياس: هل يستطيع لبنان أن يثبت أنّ دولته قادرة على الإمساك بالتفاصيل، من خطوط الانسحاب إلى مراقبة الخروقات، ومن دعم الجيش إلى ضبط الأجواء؟ وهل يستطيع الداخل أن يمنح هذا المسار غطاء وطنياً كافياً، بدل استنزافه في مزايدات التخوين؟ طريق الدولة لا يلغي المخاطر، لكنه الطريق الوحيد الذي يمنع لبنان من أن يبقى رهينة الساحات. وما يفعله عون اليوم هو محاولة نقل البلد من زمن ردود الفعل إلى زمن القرار، ومن منطق اللادولة إلى منطق الجمهورية القادرة. على حماية شعبها واستعادة سيادتها كاملة تدريجياً بثبات.

 

استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية

 

أعرب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن بالغ امتنانه وتقديره لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الشقيقة، على قراره باستئناف استيراد المنتجات اللبنانية إلى المملكة.

 

ورأى رئيس الجمهورية في هذا القرار تعبيراً صادقاً عن عمق الأخوة العربية التي تجمع البلدين الشقيقين، وتجسيداً لحرص القيادة السعودية الرشيدة على دعم لبنان وشعبه في مرحلة النهوض والتعافي التي يخوضها.

 

فيما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام شكره للمملكة العربية السعودية وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز على القرار القاضي برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة، معتبراً أنّ هذه الخطوة تعكس عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين وثقة المملكة بلبنان، وتشكل دعماً مهماً للاقتصاد اللبناني وللمصدرين اللبنانيين، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين.

 

وفي منشور عبر منصة «أكس»، أكد سلام تطلع الدولة اللبنانية إلى مواصلة التنسيق والعمل المشترك مع المملكة لترسيخ الشراكة في مختلف المجالات، موجهاً الشكر أيضاً إلى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على متابعته الحثيثة لهذا الملف حتى الوصول إلى خواتيمه الإيجابية.

 

في موازاة ذلك، تلقى سلام اتصالاً من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الذي شدد على دعم المملكة لاستقرار لبنان ومواصلة الوقوف إلى جانبه في مسار التعافي وإعادة بناء الدولة.

 

وكانت وزارة الخارجية السعودية قد أعلنت أن قرار استئناف استقبال الصادرات اللبنانية إلى المملكة جاء بناءً على طلب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مشيرة إلى أنّ الحكومة اللبنانية اتخذت خطوات إيجابية في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الإجراءات التي تسهم في تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

كما أفادت مصادر سعودية بأنّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أصدر توجيهاته باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، في خطوة تعكس حرص الرياض على دعم لبنان وتعزيز التعاون الاقتصادي معه، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار والنمو الاقتصادي في البلاد.

 

مونديال وسط التصعيد

 

في مفارقة تختصر حال العالم اليوم، تنطلق بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا فيما تقف المنطقة على حافة جولة جديدة من المواجهة بين واشنطن وطهران. فالتصعيد العسكري المتبادل خلال الأيام الأخيرة، واستمرار الضربات والردود في الخليج، يعيدان إلى الواجهة المخاوف من انهيار مسار التهدئة وعودة الحرب المفتوحة بين الطرفين، وسط تحذيرات من أن الاتصالات السياسية لم تحقق حتى الآن اختراقاً حاسماً.

 

وفي المقابل، يستعد العالم لمتابعة أكبر نسخة في تاريخ المونديال بمشاركة 48 منتخباً وعلى أراضي ثلاث دول مضيفة، في حدث يفترض أن يكون مناسبة للاحتفال بوحدة الشعوب عبر كرة القدم. إلا أنّ السياسة تبدو حاضرة بقوة هذه المرة، سواء من خلال التوترات الأمنية المحيطة بالبطولة أو عبر انعكاسات الأزمة الأميركية ـ الإيرانية التي ألقت بظلالها حتى على مشاركة المنتخب الإيراني وقضايا التأشيرات والتنقل.

 

هكذا، وبينما تتجه أنظار مليارات المشاهدين إلى الملاعب، تتجه عيون الدبلوماسيين والعسكريين إلى الخليج. وكأنّ العالم يعيش مشهداً مزدوجاً: كرة القدم تحاول جمع ما تفرقه الحروب، فيما يختبر مونديال 2026 منذ يومه الأول قدرة الرياضة على الصمود في وجه أكثر الأزمات الجيوسياسية سخونة.