Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 6, 2026
A A A
شرعة لوأد خطاب الكراهية ونبذه!
الكاتب: جوزف القصيفي

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في الجمهورية 

 

درجت في فترة الحرب اللبنانية، وما بعدها، عندما كانت تحتدم الأوضاع ويبلغ الصراع الداخلي مداه الأقصى، وينقسم الناس حول خيارات سياسية خارجية أو داخلية، عادة توصيف مَن يتطوَّع لأداء دور الإطفائي، أو يدعو إلى كلمة سواء، ويُزيِّن محاسن الاستمرار في تعميق ثقافة العيش الواحد والإنطلاق إلى بناء المستقبل معاً بـ»أبو ملحم»: أديب حداد صاحب البرامج التوجيهية في «تلفزيون لبنان» و»الإذاعة اللبنانية» في عصرهما الذهبي.

 

وكان بعض السياسيِّين الذين يعملون على مراكمة «رصيدهم» الشعبي يستخدمون هذا التوصيف من قبيل التهكُّم أو الاعتقاد، بأنّ الحلول الوسط لم تعُد تجدي في لبنان، وأنّ الاتجاه نحو الحسم السياسي في زمن الحرب المقنّع بسلم مَوهوم، وزمن السلم الهش الذي يستودع بذور الحرب، هو أفضل السبل الممكنة لوضع حدّ للأزمات. لكن تبيَّن بالمعاينة والتجربة، أنّ الجنوح نحو التطرُّف والتعصُّب، هو السائد لدى العديد من القوى السياسية والنخب التي تتجاهل الحقائق الموضوعية التي يرتكز إليها لبنان بصيغته الحاضنة للتنوُّع.

 

هذا الكلام لا يندرج في خانة «الفانتازيا» الفكرية، وليس صورة شعرية متخيَّلة، لكنّه يجسّد واقعاً لوطن لا يلقي سلاحه مهما اشتدّت عليه النوائب والمحن، ويبتكر أساليب ضامنة لاستمرار أنماط من الحياة التي تؤكّد قدرة اللبنانيّين على مواجهة مصيرهم بالحدّ الأقصى من الوحدة، والإصرار على عدم تجزئة وطنهم، وتشلّعه، وسيادة شريعة الغاب فيه، بعدما اتعظوا بأنّ الخارج – أي خارج – لن يحمل إليهم خشبة الخلاص، وإن قادهم الظن إلى أي خلاصة من هذا القبيل، إنما هو ظن خادع يماثل السراب.

 

هذا الكلام أيضاً ما كان ليجد له مكاناً، لولا أنّ فلتان «الألسنة» على نحو مخيف وغير مسبوق بات يهدِّد السلم الاجتماعي بما يشحنه في النفوس من أحقاد، ويستحضر وقائع من أزمنة إصطبغ وجهها بالدم والدخان والرماد. وقد وجد أصحاب هذه الألسنة في وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً لتحقيق أغراضهم، وبث الأفكار والأخبار والمعلومات – صحيحة كانت أو ملغومة – كائنةً ما ستكون النتائج وما سيترتّب من تبعات قد تكون أشدّ فتكاً وتدميراً من المدفع والصاروخ.

 

إنّ ظاهرة خطاب الكراهية، والنزعة الإلغائية، وعدم قبول الآخر والحق في الإختلاف، متفشّية في المجتمع اللبناني على نحو مثير للقلق، وهي ظاهرة تؤشر إلى تراكم «حممي» يتفاعل ويُنذر بانفجار بركاني، وليس في هذا القول أي مغالاة. فهناك أكثر من «بسوس بنت منقذ التميمية» يلطو ويحرِّض. وكما هو معلوم، فإنّ تحريض البسوس بسبب مقتل ناقتها، أدّى إلى الحرب التي نُسِبت إلى المحرِّضة ودامت أربعين عاماً. وإنّ الذي يتولّى دور البسوس في لبنان من أي جانب، إنما يدعو إلى الحرب من دون أن يكون قد فَقَد ناقة أو جملاً. ولهذا السبب، فإنّ ثمة عملاً عاجلاً يجب أن يقوم ليشكّل صمّام أمان يُبعِد الصدام الذي تحول دونه الأفعال وليس النيات الحسنة فحسب.

 

وفي هذا المجال، يبرز دور المرجعيات الروحية، الجامعات، قادة الرأي، الصحافة والإعلام، نقابات المهن الحرّة كافة، الخبراء في مجالات القانون والتربية والاجتماع، في صوغ شرعة «السلم المدني» الذي ينطلق من المسلمات الآتية:

أ – نبذ خطاب الكراهية.

ب – نشر قيم التسامح.

ج – قبول الآخر والحق في الاختلاف.

د – العدالة التي تصون حقوق الناس، وتلزمهم القيام بواجباتهم حيال القانون والمجتمع.

هـ – الحق في التعبير عن الرأي قولاً وكتابة هو حق مقدَّس. لكن شرط عدم الانزلاق إلى «ثقافة الكراهية» وما يترتب عليها من نتائج مدمِّرة للإنسان والوطن.

و – تخيُّر الألفاظ والعبارات في التعبير عن أي موقف تأييداً أو اعتراضاً، والابتعاد عن جارح الكلام ونابيه، لأنّه الشرارة الأولى للفتن. وإنّ ما شاع في أدبيات بعض المنصات و«الإنجيئوز» من أنّ «الشتيمة» ليست قدحاً وذماً، إنما هي وسيلة للتعبير عن انتقاد أو رأي مناف، هو مجرّد «فذلكة» وتبرير لا مكان لهما على أرض الواقع.

 

خطاب الكراهية يجب ألّا يتجذّر في مجتمعنا اللبناني ليصبح حالة دائمة، ولا يمكن استخدامه على سبيل الضغط أو المناورة، ولاسيما على المستوى السياسي نظراً لمفاعيله الخطرة آنياً ومستقبلياً.

فهل ثمة مَن ينهض لهذه المهمّة الحساسة والضرورية، فيبادر إلى مؤتمر ينتج منه عقد وطني – أخلاقي – اجتماعي، يقي لبنان من السقوط في وهدة التداعيات التي يتسبَّب بها خطاب الكراهية؟

هناك مَن يعتبر أنّ ما نورده هو أقرب إلى التمنّيات من الواقعية. لكنّ ما الذي يمنع من تحوُّل التمنّي إلى واقع؟