Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 6, 2026
A A A
المقاومة تطور أنماط الاشتباك: تفكيك منظومة القيادة والسيطرة للعدو
الكاتب: حمزة الخنسا

كتب حمزة الخنسا في الأخبار 

 

لم يكن استهداف المقاومة للضباط والقادة الميدانيين في جيش العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان منفصلاً عن استراتيجية أكبر تهدف إلى إرباك منظومة القيادة وعزل فعلي للقوات المنتشرة على الأرض.

وتكشف المعطيات الميدانية حول مسار العمليات في جنوب لبنان خلال معركة «العصف المأكول 2026» عن تحوّل نوعي في بنية الاشتباك، فقد امتدت استهدافات المقاومة لتطاول بنية القيادة والسيطرة الإسرائيلية بكل مستوياتها من المقرات الاستراتيجية في العمق، وصولاً إلى غرف العمليات الميدانية المتقدمة.

 

وشملت العمليات استهداف مقرات تعتبر من أعمدة البنية العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. فقد تم قصف مقر وزارة الحرب في «الكرياه» وسط تل أبيب في 26 آذار، إلى جانب استهداف ثكنة دولفين ومقر الوحدة 8200 في غليلوت بتاريخي 26 آذار و30 نيسان، إضافة إلى قاعدة ميشار في صفد التي تضم مقر الاستخبارات في الجبهة الشمالية، ومقر وحدة الشييطت 13 البحرية في عتليت.

هذه الضربات تعكس انتقالاً في بنك الأهداف نحو تعطيل «العقل الاستخباري» لجيش العدو الإسرائيلي، لا مجرد استنزاف وحداته الميدانية.

 

وطاولت عمليات المقاومة أيضاً ما يُعرف بالنسق العملياتي، حيث استُهدفت قيادة المنطقة الشمالية في قاعدة دادو بشكل متكرر، إلى جانب مقر الفرقة 146 في جعتون، ومقر اللواء 300 في شوميرا، الذي تعرّض لضربة وُصفت بالدقيقة أصابت غرف المبيت والقيادة معاً. كما طاول الاستهداف مقر اللواء 769 في كريات شمونة، في مؤشر على تعميم الضغط العملياتي على مختلف مستويات القيادة الميدانية، بما يحدّ من قدرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على إدارة المعركة من مراكز آمنة خلف الجبهة.

في المستوى التكتيكي، ركزت عمليات المقاومة على المقرات المستحدثة التي أنشأها العدو داخل القرى والمناطق الحدودية مثل البياضة والقنطرة والطيبة والخيام.

 

عملت المقاومة عبر هذه الاستراتيجية على إسقاط مفهوم «القيادة الآمنة خلف الجبهة»

 

 

وتشير المعطيات إلى تكرار تدمير هذه المقرات في البياضة لأكثر من عشر مرات خلال أيار، باستخدام مسيرات انقضاضية وقذائف وصواريخ، ما يعكس تحوّل هذه المنطقة إلى ساحة استنزاف متكرر لعقد القيادة الأمامية للعدو. كما تم استهداف مواقع قيادة داخل مبانٍ سكنية، بينها مراكز مدرعات في زوطر الشرقية، ما أدى إلى تآكل قدرة جيش العدو على تثبيت نقاط قيادة مستقرة قرب خطوط التماس.

وتعد العمليات المركزة ضد آليات القيادة والاتصالات للعدو إحدى أبرز سمات استراتيجية المقاومة، حيث جرى استهداف آليات «هامر» قيادية في مواقع متعددة، بينها المنارة وجل العلام، إضافة إلى تدمير آليات C2 في العباد ودير سريان والطيبة. كما طاولت الاستهدافات غرف إدارة النيران في كفرجلعادي ومربض البياضة، وهو ما أدى عملياً إلى تعطيل شبكات التوجيه الناري وربط الوحدات الميدانية بقياداتها.

 

وامتدت عمليات المقاومة لتطاول البنية التكنولوجية لجيش العدو الإسرائيلي، حيث تم استهداف أنظمة «Drone Dome» المخصصة لاعتراض المسيرات، في أكثر من موقع بينها العباد والناقورة ورشاف. كما تعرضت رادارات ومواقع مراقبة في ميرون وستيلا ماريس والعليقة وكتسافيا لضربات متكررة، إلى جانب تدمير كاميرات مراقبة وتجهيزات استطلاع في البياضة والطيبة وجل العلام. ويشير هذا النمط إلى محاولة ممنهجة لتقويض قدرة جيش العدو على الرصد اللحظي والسيطرة الجوية منخفضة الارتفاع.

أدى مجمل هذه العمليات إلى نشوء حال «عزل ميداني» للقوات الإسرائيلية المعادية المنتشرة على الأرض، عبر قطع خطوط الاتصال بين الوحدات الأمامية ومراكز القيادة الخلفية، وتقييد القدرة على المناورة والتنسيق.

 

وفي موازاة ذلك، برزت مؤشرات على استهداف قيادات ميدانية عالية القيمة، بما في ذلك عمليات طاولت ضباطاً ميدانيين وتحركات آليات قيادية، ما يعكس وجود قدرة استخبارية لحظية عالية الدقة، وفق توصيفات تحليلية (انقر هنا).

وعملت المقاومة عبر هذه الاستراتيجية على إسقاط مفهوم «القيادة الآمنة خلف الجبهة»، عبر نقل مراكز القرار إلى دائرة الخطر المباشر، بما في ذلك استهدافات في محيط مناطق حساسة مثل شلومي وقلعة الشقيف. كما يُنظر إلى هذه العمليات باعتبارها رسالة ردع نفسية مزدوجة عبر ضرب معنويات القوات النخبوية، وإيصال رسالة مفادها أن ساحة المعركة لم تعد تفصل بين الجندي والقائد.

 

وبذلك، سجلت المقاومة تحوّلاً في نمط الاشتباك من حرب استنزاف تقليدية إلى نموذج يقوم على تفكيك منظومة القيادة والسيطرة للعدو، عبر تدرّج يبدأ من ضرب العمق الاستراتيجي، مروراً بالقيادة العملياتية، وصولاً إلى عزل الوحدات التكتيكية على الأرض. وكذلك، يضمن استمرار المقاومة في هذا النمط انتقال المعركة مع العدو من مستوى «الاشتباك الميداني» إلى مستوى إعادة تعريف قدرة جيش العدو على القيادة في بيئة تصبح فيها المعلومة والاتصال والتموضع أكثر حساسية من التفوق الناري التقليدي.