Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 6, 2026
A A A
مَن يستخدم لبنان ورقة تفاوض: إيران أم أميركا و«إسرائيل»؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

فتح رئيسا الجمهورية والحكومة النار على المقاومة باعتبارها ورقة تفاوضية إيرانية، وأنها تحوّل لبنان الى ورقة تفاوض تعزز موقع إيران، وتحدّثا عن اعتبار المساندة الإيرانية للمقاومة ولبنان مجرد استخدام للمقاومة ولبنان في التفاوض. والفكرة ليست جديدة وقد رافقت مسيرة المقاومة منذ زمن طويل، حتى عندما كانت الأرض التي تتحرّر هي أرض لبنانيّة عام 2000 كان هناك من يقول عشية التحرير إن المقاومة ليست لتحرير الأرض اللبنانية بل لتحسين وضع سورية في التفاوض على الجولان، ووضع إيران في التفاوض على العقوبات ولم يكن الملف النووي مطروحاً بعد. وإذا أردنا أن نعود إلى المشهد الحالي فإن أمامنا واقعتين تربطان المواجهة بين المقاومة والاحتلال بالتفاوض الأميركي الإيراني، فلنقم بفحص هاتين الواقعتين ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

 

في المرة الأولى كان رئيس الجمهورية العماد جوزف عون قد شهر مضى على إطلاق مبادرته المشروطة بانسحاب الاحتلال ووقف إطلاق النار للتفاوض المباشر، عندما انتبه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في 9 نيسان أن الرئيس اللبناني قد أطلق مبادرته في 9 آذار، وقرّر قبول المبادرة بعد شهر من التجاهل الأميركي الإسرائيلي للمبادرة، والسؤال لماذا؟ والجواب لأنه في السابع من نيسان بدأ التفاوض على وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران، الذي أعلن في 8 نيسان وأصرّت إيران على أن يشمل لبنان. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أبلغ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن عليه إيقاف إطلاق النار في لبنان، وتتسارع ترتيبات التفاوض اللبناني الإسرائيلي في واشنطن، وتنعقد الجلسة الأولى في 16 نيسان، كتعبير لا يحتاج إلى التحليل، عن النية الأميركية الإسرائيلية لتحييد أي التزام إسرائيلي بوقف النار في لبنان عن الضغط الإيراني الثابت لرفض أي اتفاق مع أميركا لا يتضمّن وقف الحرب على لبنان، في وقت تحتاج فيه أميركا إلى تسريع هذا الاتفاق، وبينما لا حاجة لإثبات الاستخدام التفاوضي للبنان كورقة من الجانب الأميركي الإسرائيلي، للاستفراد بلبنان بشروط أي اتفاق لوقف نار ليضمن المصالح الإسرائيلية، كان طرح إيران لوقف النار في لبنان نوعاً من أنواع توزيع الأرباح على أطراف محور المقاومة لعائدات إيران من الصمود في الحرب.

 

جاءت تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة في لبنان التي تتحدّث عن التمسك بفك المسار اللبناني عن مسار التفاوض الأميركي الإيراني تحت عنوان مفتعل، سُمّي برفض أن يفاوض أحد عن لبنان، ولم يكن التفاوض مطروحاً، وقد أكد المسؤولون الإيرانيون علناً أن طلبهم لشمول لبنان بوقف النار لا يلغي حقوق لبنان بأن يفعل ما يشاء بعد ذلك، يفاوض أو لا يفاوض، ولكن يكون في وضع أقوى وقد استفاد من عائدات الصمود الإيراني بشموله بوقف النار؛ بينما تحول الخطاب الرسمي اللبناني إلى الحديث عن استعادة قرار التفاوض على طريق استعادة قرار الحرب والسلم، الذي يعرف اللبنانيون من يوميّاتهم أن مَن يملكه هو “إسرائيل”، وليس الدولة اللبنانية ولا المقاومة، والمستفيد الوحيد من هذه المحاولات هو “إسرائيل” لترتاح من الضغط الأميركي الناتج عن الحاجة لوقف النار ولو تضمن شمول لبنان وإلحاق الضرر بالرؤية الإسرائيلية. وليس خافياً أن تل أبيب التي تذكرت دعوة التفاوض اللبنانية فجأة، وجدت خشبة الخلاص في هذا المسعى التفاوضي للتملّص من وقف النار في لبنان، والقول إن هناك مساراً تفاوضياً لبنانياً إسرائيلياً جارٍ، وفيه يقرر وقف النار ولا حاجة لتضمين الاتفاق الأميركي الإيراني بنداً يضمن شمول لبنان بوقف النار، ولذلك جاءت النتيجة وقفاً مبتوراً لإطلاق النار، شمل بيروت والضاحية الجنوبية ولم يشمل الجنوب، بفعل الاستقواء الإسرائيلي بموقف السلطة، والقول إن المسار اللبناني الإسرائيلي يخص لبنان و”إسرائيل”.

 

برزت ثمار التفاوض الجاري تحت شعار استرداد قرار التفاوض، في جلسات سميت تمهيدية وانكشف حجم المصالح الإسرائيلية المحققة فيها، بما يؤكد أن لبنان تحول إلى ورقة تفاوضيّة إسرائيليّة لتفادي الأثمان التي قد تترتب على شمول لبنان بوقف النار، عبر مسار التفاوض الأميركي الإيراني، وبعدما جرت الجلسات بما في ذلك الأخيرة وإطلاق النار مستمرّ وسقطت الشروط اللبنانية تباعاً، من الانسحاب إلى وقف النار، تضمن البيان الأميركي بالنيابة عن الطرفين اللبناني والإسرائيلي في كل جلسة مكاسب إسرائيلية جديدة، تؤكد أن السلطة منحت لبنان ورقة تفاوضية لإسرائيل وعبرها لأميركا في مسار التفاوض الأميركي الإيراني، بين إعلان بعد الجلسة الأولى عن إعلان إنهاء حال العداء والاعتراف المتبادل بين لبنان و”إسرائيل”، إلى إعلان ثانٍ يمنح “إسرائيل” وحدها حق الدفاع بما في ذلك حرية الحركة والاعتداء تحت عنوان مواجهة هجوم محتمل، جاءت الجلسة الثالثة بفشل إسرائيلي لأن المعنيّ هو الجيش وليس السلطة، لتتوج الجلسة الرابعة مسار الاستثمار الإسرائيلي التفاوضي للورقة اللبنانية باتفاق لوقف النار من طرف واحد ينطبق على المقاومة وحدها، لتستمرّ الحرب من طرف واحد مقابل، وهي التي لم تتوقف منذ اتفاق 27-11-2024، كما كان يصفها رئيس الحكومة قبل نظرية اتفاق الفرصة الأخيرة.

 

في المرة الثانية وبينما المفاوضات تدور حول مذكرة تفاهم تؤسس لاتفاق دائم بين واشنطن وطهران، وبعدما أعلن الرئيس الأميركي أن التفاهم بالصيغة التي وصلته يحتاج إلى اللمسات الأخيرة لتوقيعه في اليوم التالي، ظهرت الاعتراضات الإسرائيلية على خطورة تضمنه وقف الحرب في لبنان، بما في ذلك إنهاء كل الأعمال العدائية ومنها الاحتلال، وظهرت الحاجة لتسريع الوصول إلى اتفاق مع لبنان يحقق المصالح الإسرائيلية ويتيح القول إن الأمر انتهى بين الحكومتين، ولا مبرر للتدخل في الاتفاق بينهما. وطالما أن لبنان الرسمي قبل اتفاقاً مع حكومة الاحتلال تحت عنوان وقف إطلاق النار، فلماذا شمول وقف الحرب على لبنان في الاتفاق الأميركي الإيراني، ولو كان القبول بشمول لبنان بالاتفاق الأميركي الإيراني مصلحة إسرائيلية أو أميركية، لما كان هذا الاتفاق على عجل، بين لبنان وكيان الاحتلال برعاية أميركية، خصوصاً أنه اتفاق لن ينفذ، وهو اتفاق بين ثلاثة أطراف يعلنون العداء للمقاومة، لكنهم يرهنون تنفيذ الاتفاق الذي توصلوا إليه بقبولها، وسبب العجلة هو أن لبنان مجرد ورقة تفاوضية إسرائيلية وأميركية قدمته السلطة اللبنانية طلباً للرضا الأميركي، لتسهيل الوضع الأميركي التفاوضي مع إيران، وسبب العجلة الآخر هو منح الشرعية للاحتلال الإسرائيلي ومواصلة العدوان الإسرائيلي على لبنان، بعدما صار كل شيء مشروطاً بالتزام المقاومة بوقف النار من طرف واحد لتستمر “إسرائيل” بالحرب من طرف واحد.

 

يبدو أن خشية الرئيسين من كشف وضعهما للوطن كورقة تفاوضيّة في خدمة أميركا و”إسرائيل”، دفعتهما لشن هجوم يتهم المقاومة بجعل لبنان ورقة تفاوضية لحساب إيران، تحت شعار أن أفضل وسائل الدفاع هو الهجوم.