Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 5, 2026
A A A
الجنوب اللبناني في قلب المشهد الإقليمي
الكاتب: بيار بعقليني - موقع الموده

 

ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد مواجهة سياسية عابرة أو جولة توتر إقليمية يمكن احتواؤها سريعًا، بل تحوّل إلى صراع مفتوح على إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط والمنطقة بأكملها، إنها حرب إرادات تُدار بالنفط والعقوبات والمضائق والاقتصاد والبحار والرسائل العسكرية، فيما يدرك الجميع أن أي انفجار شامل قد يغيّر وجه المنطقة لعقود طويلة.

 

داخل الولايات المتحدة نفسها، لم يعد هناك إجماع حقيقي على خيار الحرب الكبرى، فبعد سنوات الاستنزاف في العراق وأفغانستان، بات جزء واسع من المؤسسة السياسية الأميركية، داخل الكونغرس وخارجه، يدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون حربًا خاطفة، بل معركة قادرة على ضرب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي ، لهذا ارتفعت الأصوات المطالِبة بتقييد أي اندفاعة عسكرية واسعة ومنع تكرار سيناريو الحروب الطويلة التي دفعت واشنطن أثمانها الباهظة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

 

في المقابل، لا يزال جناح قوي داخل الإدارة الأميركية والمؤسسات الاستراتيجية يدفع باتجاه استمرار سياسة الضغط الأقصى، انطلاقًا من قناعة بأن إيران استطاعت خلال السنوات الماضية تحويل الصمود إلى مشروع نفوذ إقليمي واسع، وأنها تستخدم الوقت والمفاوضات لإعادة تثبيت حضورها العسكري والسياسي من الخليج حتى المتوسط، ومن هنا يمكن فهم السلوك الأميركي الحالي تصعيد دائم دون انفجار شامل، حصار وضغط وعقوبات واستعراض قوة، لكن مع تفادي الذهاب إلى حرب كبرى لا يضمن أحد نتائجها،

حتى دونالد ترامب، الذي يحاول دائمًا الظهور بصورة الرئيس القوي، يدرك أن جزءًا كبيرًا من الأميركيين لا يريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط. لذلك يقوم الخطاب الأميركي على معادلة دقيقة قوة هائلة وردع وضغوط قصوى، لكن من دون الغرق في مواجهة شاملة.

 

آخر الاستطلاعات الأميركية تُظهر بوضوح أن الرأي العام لا يؤيد حربًا واسعة ضد إيران، لكنه في المقابل يدعم الردود العسكرية المحدودة إذا تعرضت المصالح الأميركية أو الملاحة الدولية للاستهداف. أي أن المزاج الأميركي يريد الردع دون الانزلاق، و”القوة دون الاحتلال.

أما إيران، فهي تتصرف بثقة دولة نجحت حتى الآن في الصمود أمام سنوات طويلة من العقوبات والحصار والضغوط العسكرية والسياسية، وأن واشنطن، رغم كل قوتها، لم تتمكن من فرض الاستسلام عليها أو كسر بنيتها الاستراتيجية أو إنهاء نفوذها الإقليمي، ولهذا تعتمد سياسة الصبر الهجومي، لا تذهب إلى حرب شاملة، لكنها أيضًا لا تتراجع، بل تعمل على تثبيت معادلات ردع تجعل أي محاولة لإخضاعها مكلفة للجميع.

 

في الخليج تتجسد هذه المواجهة بأوضح صورها، الولايات المتحدة تعمل على تثبيت حصار اقتصادي وبحري طويل النفس عبر الأساطيل العسكرية وتشديد العقوبات والرقابة على النفط وخطوط الملاحة والشحن، أما إيران فترد بطريقة مختلفة، عبر تثبيت معادلة تقول إن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن أمنها، وإن أي محاولة لخنقها اقتصاديًا ستنعكس على الاستقرار البحري والملاحي في المنطقة بأكملها، لذلك نشهد سياسة الرد غير المباشر، والمرافقة البحرية، والرسائل الميدانية المتقطعة، من دون الذهاب إلى مواجهة بحرية شاملة.

من هنا تحوّل مضيق هرمز إلى أحد أخطر مفاتيح التوازن الدولي، لا مجرد ممر بحري عادي، فواشنطن تريد تكريس مفهوم أن حرية الملاحة قرار دولي تحميه القوة الأميركية، بينما تؤكد إيران أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على حصارها أو تجاهل دورها الإقليمي. لذلك أصبح كل تحرك بحري، وكل استهداف لسفينة، وكل انتشار عسكري في الخليج، رسالة سياسية تتجاوز حدود المنطقة نفسها.

 

في قلب هذا الاشتباك، يظهر لبنان مجددًا كساحة شديدة الحساسية، فالاستعجال الأميركي والإسرائيلي في الحديث عن ترتيبات واتفاقات تتعلق بالجنوب اللبناني لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، واشنطن وتل أبيب تدركان أن الجبهة اللبنانية ليست ملفًا محليًا منفصلًا، بل عقدة استراتيجية مرتبطة مباشرة بالتوازن مع إيران وبإعادة رسم النفوذ في المنطقة،

ولهذا يبدو واضحًا أن ملف لبنان يُستخدم كورقة ضغط مزدوجة من جهة لمحاولة تقليص أوراق القوة المرتبطة بإيران وفصل الساحات عن بعضها، ومن جهة أخرى لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يطمئن الحلفاء العرب ويمنع نشوء محور سياسي وإقليمي واسع يمتد من إيران إلى قوى أخرى كتركيا وباكستان وبعض الدول الداعمة لحلول مستقلة عن الرؤية الأميركية الإسرائيلية.

رغم كل هذا التصعيد، تبقى الحقيقة الأساسية أن الولايات المتحدة لم تحقق حتى الآن انتصارًا حاسمًا على إيران، كما أن إيران نفسها لم تستطع فرض معادلتها النهائية على الأميركيين، ولهذا تعيش المنطقة اليوم أخطر مراحلها لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل صراع مفتوح على حافة الانفجار، تتحول فيه العقوبات والمضائق والحدود والاتفاقات والملفات الإقليمية إلى أدوات اشتباك سياسي واستراتيجي بانتظار لحظة الحسم الكبرى التي قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط بأكمله.