Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 2, 2026
A A A
كيف ابتلعت رمال الجنوب و«وحدة الساحات» أوهام نتنياهو وأجبرت ترامب على «كبح جماحه»؟

كتب حسن حردان:

لم تكد التهديدات الإسرائيلية بقصف ضاحية بيروت الجنوبية تصل إلى ذروتها، حتى جاء الإعلان المفاجئ والدراماتيكي للرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب اتصاله العاجل ببنيامين نتنياهو، ليعيد ضبط عقارب الساعة الاستراتيجية في المنطقة وفق معادلات ردع جديدة. إنّ إعلان ترامب الجازم بأنّ “إسرائيل لن تهاجم حزب الله، وحزب الله لن يهاجم إسرائيل”، وتأكيده بأنّ القوات التي كانت متجهة صوب بيروت قد أُعيدت بالفعل، وانه تمّ الاتفاق على وقف اطلاق النار في لبنان، لا يمثل مجرد حلقة تهدئة عابرة؛ بل هو إقرار أميركي ـ إسرائيلي صريح بالاصطدام بجدار الميدان الصلب في الجنوب، واعتراف بالخوف من انفجار إقليمي شامل كاد يطيح بطاولة مفاوضات إسلام آباد ويُحرق أصابع الثنائي (ترامب ـ نتنياهو) تحت وطأة الإنذار الإيراني الحاسم بضرب شمال فلسطين المحتلة.
أولاً: خديعة “قلعة الشقيف” وتحوّل التوغل إلى مصيدة استنزاف،
سعت القيادة الإسرائيلية، عبر الدفع بقواتها نحو “قلعة الشقيف” التاريخية وتجاوز بلدات زوطر الشرقية ويحمر الشقيف ودبين، إلى انتزاع “صورة نصر” ذات أبعاد رمزية ومعنوية عالية. إلا أنّ خلوّ القلعة من المقاتلين والعتاد، ومواجهة جيش الاحتلال لمقاومة ضارية في البلدات المحيطة، حوّل السيطرة الجغرافية إلى عبء لوجستي وبشري ثقيل. وبدلاً من أن تكون القلعة منصة تحكّم، تحوّل تواجد قوات الاحتلال فيها وحوّلها إلى “مصيدة محكمة”؛ حيث حوّلت المقاومة جنود الاحتلال إلى شخوص في “حقل رماية”، يصطادهم المقاومون بالمُسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة بدقة متناهية، بالتوازي مع توسيع دائرة القصف الصاروخي لتطال حيفا والكريوت وصفد.
ثانياً: التهديد بضرب بيروت.. الهروب من الميدان والارتطام بإنذار طهران،
أمام الفشل البري الذريع، حاول نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس الهروب إلى الأمام عبر التلويح بقصف العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية لانتزاع تنازلات سياسية. إلا أنّ هذا الابتزاز قوبل بـ “جدار ردع” إقليمي حاسم؛ حيث دخلت الجمهورية الإسلامية في إيران على خط المواجهة المباشرة بإنذار عسكري شديد اللهجة، حذرت فيه من أنّ أيّ مساس بالعاصمة بيروت سيُقابَل فوراً بقصف شامل ومدمّر لشمال فلسطين المحتلة وعمق الكيان بالمنظومات الصاروخية الفرط صوتية، مدعومة بجاهزية عالية من جبهة اليمن لإعادة تفعيل الحصار البحري الشامل وضخ الضربات البالستية.
ثالثاً: كبح الجماح الاضطراري.. ترامب يتدخل لاحتواء الانفجار الشامل،
هذا الترابط العضوي لـ “وحدة الساحات” وضع الرئيس دونالد ترامب أمام معضلة قاتلة هدّدت وعوده الانتخابية بـ “إنهاء الحروب” واستقرار الاقتصاد الأميركي في مقتل؛ إذ إنّ اشتعال الجبهات الإقليمية كان سيعني فوراً قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية وتورّطاً عسكرياً أميركياً مباشراً لإنقاذ الكيان.
من هنا، جاء التدخل الشخصي العاجل لترامب بمثابة “كبح جماح” صارم لنتنياهو خلف الكواليس، حيث أُلزمت تل أبيب بالتراجع الفوري وسحب القوات التي كانت متجهة لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، لمنع انفلات الأمور عن السيطرة وانفراط اتفاق وقف النار التجريبي في المنطقة.
رابعاً: انتصار مقاربة الرئيس بري.. وقف نار شامل بدل الهدنة الجزئية،
يحمل إعلان ترامب الأخير دلالة سياسية بالغة الأهمية؛ فهو يمثل انتصاراً للمقاربة والدبلوماسية اللبنانية التي قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري. فطالما حاولت واشنطن وتل أبيب المناورة للحصول على “هدنة جزئية” أو ترتيبات أمنية تحت النار تمنح الاحتلال حرية الحركة، إلا أنّ ثبات الموقف اللبناني المستند إلى صلابة الميدان فرض معادلة “الوقف الشامل والدائم للعمليات العسكرية برّاً وبحراً وجوّاً” كمسار وحيد للحلّ، وهو ما تُرجِم في ثنايا إعلان ترامب بأنّ الطرفين لن يهاجم أحدهما الآخر.
في المحصلة، أثبتت الساعات الأخيرة أنّ رمال الجنوب اللبناني لا تنتج انتصارات واهمة لحكومة الاحتلال، بل تبتلع الأوهام وتُعرّي حدود القوة الإسرائيلية. إنّ اضطرار نتنياهو الى التراجع عن ضرب بيروت بإيعاز أميركي مباشر هو اعتراف صريح بأنّ زمن الاستفراد بالعواصم قد ولّى، وأنّ صمود المقاومة في القرى الحدودية، مسنوداً بمعادلة “وحدة الساحات” الصارمة، نجح في تعميق مأزق الثنائي (ترامب – نتنياهو)، ليفتح الباب أمام تسوية تفرضها أوراق القوة الميدانية، لا إملاءات الشروط الأميركية الإسرائيلية…