Beirut weather 24.65 ° C
تاريخ النشر May 28, 2026
A A A
“مهرجان إهدنيات”… حين يصمت المسرح احتراماً لوجع الوطن

كتبت حسناء سعادة

للمرة الثانية، يغيب “مهرجان إهدنيات” عن المشهد اللبناني. مرة فرضها وباء أربك العالم وأطفأ المسارح وأجّل الأحلام، ومرة يفرضها وجع الوطن نفسه، في ظل عدوان يثقل لبنان ويسقط شهداء ويدمر بيوتاً وبلدات.
كيف يبدو الصيف في الشمال حين تغيب إهدنيات؟
صيف الشمال يتكل على هذا المهرجان الدولي اذ لم تكن إهدنيات يوماً مجرد حفلات فنية أو أمسيات صيفية عابرة، بل كانت نبضاً اقتصادياً وسياحياً وإنسانياً ينعش إهدن وزغرتا والشمال بأكمله.
“مهرجان اهدنيات” موعد ينتظره أصحاب الفنادق والمطاعم والمقاهي والعائلات والمؤسسات الصغيرة التي كانت ترى فيه فرصة حياة، وفي الزوار أملاً بموسم يخفف ثقل الأزمات المتراكمة.
إهدنيات تشكل رسالة تعكس ان لبنان، مهما تعثّر، ما زال يعرف كيف يضيء شمعة وسط العتمة، وكيف يصنع من الجبل مساحة لقاء وفرح وموسيقى وساحات تمتلئ بالناس الذين يأتون من مختلف المناطق والانتماءات، وكأن الفن ينجح للحظات في ترميم ما تكسره السياسة والأزمات.
لكن هذا العام، بدا القرار مختلفاً في رمزيته. فإلغاء المهرجان لم يأت عجزاً أو تقصيراً أو مجرد إجراء تنظيمي، بل شكل موقفاً إنسانياً وأخلاقياً قبل أي شيء آخر؛ تضامناً مع شعب يئن تحت الحرب، ومع عائلات فقدت أبناءها، وقرى تنزف، وأهالي ينتظرون نهاية لهذا الكابوس.
كيف يمكن أن تُضاء المسارح فيما بيوت كثيرة يلفّها الحداد؟ وكيف يمكن أن يُحتفل بالصيف فيما الوطن يرزح تحت القلق والخسارة؟.
هنا يكمن القرار الذي اتخذه القيمون هلى المهرجان باختيار الصمت احتراماً للألم، وأن يؤجل الفرح تضامناً مع ” ما يعانيه شعبنا ووطننا هذا العام”.
ومع الحديث عن إهدنيات، يبرز اسم السيدة ريما سليمان فرنجيه بوصفه جزءاً من روح هذا المشروع الثقافي والإنساني. فإدارة مهرجان بهذا الحجم لا تقوم فقط على التنظيم والبرمجة، بل تحتاج أيضاً إلى حسّ إنساني وقدرة على فهم معنى الثقافة في زمن الأزمات. فالمهرجانات ليست خشبة عرض فقط، بل مساحة حياة ورسالة انتماء وصورة منطقة ووطن.
في كل صيف كانت إهدنيات تقول إن إهدن ليست فقط طبيعة جميلة وهواء بارداً، بل ذاكرة وفرح ولقاء. واليوم، في غيابها، يبدو الفراغ أكبر من مجرد مهرجان أُلغي. إنه فراغ يشبه صمت المسارح حين ينتظر الناس عودة الحياة نفسها وربما لهذا السبب، لا يبدو غياب إهدنيات هذه السنة مجرد خبر موسمي، بل لحظة وجدانية تختصر حال وطن كامل: وطن يحب الحياة، لكنه يجد نفسه، مرة جديدة، مضطراً إلى تأجيل الفرح… لا لأنه فقد القدرة عليه، بل لأنه لا يريد أن يقفز فوق وجع ناسه.