Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر May 27, 2026
A A A
هل مات الاتفاق الأميركي الإيراني سريرياً؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

منذ انكشاف الخطوط العامة للاتفاق الأميركي ـ الإيراني، لم يعُد دونالد ترامب يواجه إيران فقط، بل يواجه واشنطن. فالمعارضة السياسية والإعلامية للاتفاق لم تأتِ من الديمقراطيين وحدهم، بل من داخل المعسكر الجمهوري والإسرائيلي أيضًا. صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” نقلت انتقادات جمهورية وصفت الاتفاق الناشئ بأنه “كابوس لإسرائيل”، بينما شبّه مايك بومبيو شروطه باتفاق 2015، محذّراً من أنه يترك لطهران قدرة على “ترهيب العالم”. وفي الخلفية، أظهرت استطلاعات رويترز/إبسوس أن تأييد الحرب على إيران هبط إلى 34%، وأن شعبية ترامب بقيت دون مستوى 40% الذي كان يملكه قبل الحرب، بعدما بدأ ولايته الثانية بنسبة 47%. وبعض استطلاعات الرأي التي أجرتها وسائل إعلام مثل “سي إن إن” قالت إن مؤيدي ترامب صاروا أقل من 30%.

المشكلة أن ترامب لا يستطيع بيع الاتفاق بوصفه نصرًا. فهو لا يعلن استسلام إيران، ولا تدمير برنامجها، ولا فتح هرمز بالقوة الأميركية. بالعكس، جوهر التسوية كما يرد في التسريبات يقوم على وقف نار، وفتح تدريجي لهرمز، ضمن إدارة إيرانية بلا رسوم، ونوافذ زمنية للتفاوض على القيود النوويّة دون وضوح مكاسب نوعية في الملف النووي تثبت التفوق على اتفاق 2015، ورفع الحصار عن النفط الإيراني ورفع العقوبات عن بيعه والإفراج عن أصول مجمدة لإيران وربط التفاهم النووي اللاحق الذي سوف ينفذ تدريجياً بإلغاء تدريجي للعقوبات. لذلك جاء تراجع ترامب عن التوقيع، أو تباطؤه على الأقل، كمحاولة لإعادة تغليف الهزيمة بصورة انتصار. حتى تصريحه بأن الاتفاق “مُنجز إلى حد كبير” وأنه يتضمن إعادة فتح هرمز لم يوقف الهجوم عليه، فاضطر إلى مهاجمة الإعلام والديمقراطيين وبعض الجمهوريين بلغة غضب، قبل أن يطلب من المفاوضين “عدم التسرّع”.

من هنا وُلد مسار الإنقاذ عبر “اتفاقات أبراهام”. الفكرة واضحة: إذا تعذر إعلان الانتصار على إيران، يصير المطلوب تصوير الاتفاق كولادة شرق أوسط جديد، تُجرّ إليه السعودية وقطر وباكستان ودول عربية وإسلامية أخرى. كما عبّر السناتور المقرّب جداً من ترامب ليندسي غراهام بلا مواربة حين تحدّث عن “عواقب وخيمة” إذا لم تنضم السعودية ودول أخرى إلى اتفاقات أبراهام بعد اتفاق مع إيران، وقال إن انضمام السعودية وقطر وباكستان سيكون “تحويلياً” للمنطقة. لكن هذا المسار يصطدم بثلاث عقد: نتائج الحرب التي أظهرت حدود القوة الأميركية، غياب أفق غزة، وانعدام أي مسار سياسي فلسطيني يمنح الحكومات العربية غطاءً شعبياً أو شرعياً.

تبدو “إسرائيل” وكأنها على عتبة ربح جولة إجهاض الاتفاق بعدما كانت الخاسر الأكبر من الاتفاق، لكنها بدأت تحصل على تعويضات ميدانية. في غزة استمرار النار والضغط والتهجير وبالتوازي اغتيالات نوعية. وفي لبنان، فتح مسار تفاوض مباشر تحت النار. حيث قالت رويترز إن “إسرائيل” ولبنان مدّدا وقف النار 45 يوماً برعاية أميركية، بينما كانت الغارات الإسرائيلية مستمرة. وأوردت أكسيوس أن مسؤولاً إسرائيلياً قال إن إسرائيل “لن تلتزم” بوقف النار في لبنان، رغم الدخول في التفاوض. أما “إيه بي” والغارديان فأشارتا إلى تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان، مع تعهد نتنياهو بزيادة الضربات، وسط وقف نار هش منذ 17 نيسان. وهكذا يتأكد أن التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي هو منصة نقل لا منصة حلّ. ما كان يفترض أن يكون بنداً في التفاهم الأميركي ـ الإيراني حول لبنان، يُراد تحويله إلى رصيد للسلطة اللبنانية: وقف نار، انسحاب، أسرى، ترتيبات حدودية، ومساعدات إعمار. لكن سقوط الاتفاق أو تجميده يسحب مبرر هذه المنصة.

اقتصادياً، لا يملك ترامب ترف الحرب ولا ترفّ الاتفاق. مضيق هرمز هو العقدة: إدارة معلومات الطاقة الأميركية تقول إن 89% من الخام والمكثفات العابرة من هرمز في النصف الأول من 2025 ذهبت إلى آسيا، والوكالة الدوليّة للطاقة قالت إن تدفقات الخام والمنتجات عبر المضيق هبطت من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى “خيط رفيع”، ما أجبر دول الخليج على خفض إنتاجها بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً. والعودة إلى أنماط الإنتاج والتجارة السابقة قد تستغرق حتى أواخر 2026 أو مطلع 2027.

لذلك قد يختار ترامب التعايش مع الحال القائمة رغم الخسائر المرافقة؛ حيث لا حرب شاملة، ولا اتفاق نهائي، ولا رفع حصار كامل، ولا قدرة على إخضاع إيران. هذا الخيار سيئ، لكنه ربما يبدو في حسابات ترامب أقل كلفة من حرب ترفع النفط فوق السيطرة، وأقل إذلالاً من اتفاق لا يستطيع تسويقه. لكن ضحاياه واضحون: الاقتصاد العالمي أولاً، والخليج ثانياً، لأنه يُحرَم من إنتاج وبيع جزء كبير من نفطه بينما تمسك إيران بمفتاح هرمز. أما لبنان، فإذا سقط الاتفاق الكبير، سقط معه السبب الحقيقي لمسار واشنطن، وبقيت السلطة في تفاوض بلا ضمانات، و”إسرائيل” في حرب بلا كلفة سياسية كافية، إلا حيث تسبّب لها المقاومة الصداع الكبير وهي تستعيد مشهد التحرير عام 2000.