Beirut weather 23.54 ° C
تاريخ النشر May 27, 2026
A A A
عيد الأضحى… حين يصبح الوطن ضحية الانتهاكات والصمت الدولي
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في كل عام، يحل عيد الأضحى حاملاً معاني التضحية والإيمان، حيث يستذكر المسلمون قصة التسليم المطلق للحق والخير، وتتعالى الدعوات بأن يحمل العيد الطمأنينة إلى البيوت والقلوب، لكن أي عيد ذاك الذي يطلّ على اللبنانيين اليوم، فيما الجنوب ينزف والأطفال يُنتزعون من الحياة قبل أن يعرفوا معناها؟
في زمن الأعياد، يفترض أن تتعالى أصوات التهاني، لكن في الجنوب والبقاع ترتفع أصوات الإسعاف والأنين، ويغدو السؤال أكثر قسوة هل بتنا نحن أضحية عالم فقد حسه الإنساني، واختار أن يكتفي بالمشاهدة؟
حين تُبلّغ فرق إسعاف في بلدة معركة بوقف عمليات الإنقاذ، فيما الحديث يدور عن أحياء لا يزالون تحت الأنقاض، يصبح المشهد أكبر من تفصيل ميداني؛ يصبح سؤالاً أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً في آن واحد. كيف يمكن أن يطلب التوقف عن إنقاذ من قد يكونون على قيد الحياة؟ ومن يملك حق اتخاذ قرار كهذا فيما الزمن، في الكوارث والحروب، يقاس بالثواني لا بالساعات؟
وإذا كانت المفاوضات المباشرة تطرح بوصفها باباً للحلول أو التهدئة، فكيف تدار مفاوضات تحت النار؟ وعلى أي أرضية تبنى، فيما القتل مستمر، والنساء والأطفال يسقطون، والقرى تتعرض للاغتيالات والتجريف والتهديم؟ أي معنى لأي مسار تفاوضي إذا كان الدم يسبق الكلام، والنار تفرض شروطها قبل الجلوس إلى الطاولة؟
التاريخ القريب لا يغيب عن الذاكرة اللبنانية. فالوعود الدولية كثيرة، والضمانات غالباً ما بقيت حبراً على ورق، فيما الاعتداءات استمرت، والانتهاكات تكررت، والمجتمع الدولي اكتفى في أحيان كثيرة بلغة القلق والتعبير عن “الأسف” وكأن دماء المدنيين مجرد أرقام في تقارير عاجلة.
وما يزيد الوجع مرارة، ذلك الشعور بأن العالم لا يكتفي بالغض عن المأساة، بل يطبع معها تدريجياً. عالم يرفع رايات حقوق الإنسان حين تناسبه، ويخفضها حين تتعارض مع الحسابات السياسية والمصالح. عالم يبدو، في نظر كثيرين، انتقائياً في عدالته، سريعاً في إصدار المواقف عندما يريد، وبطيئاً حدّ الصمت حين يتعلق الأمر بضحايا لا يجدون من يتحدث باسمهم.
لكن، وسط كل ذلك، يبرز سؤال داخلي أين الدولة اللبنانية؟ أين الأصوات الرسمية؟ أين الجولات الدبلوماسية التي يفترض أن تتحرك بلا توقف لفضح ما يجري، وتوثيق الانتهاكات، والضغط في المحافل الدولية؟.
أين لغة الاعتراض الصلبة، ولو بالحد الأدنى، عبر المواقف والاستنكار والتحرك القانوني والسياسي؟
قد لا تملك الدولة موازين القوة العسكرية، لكن الدول تقاس أيضاً بحضورها السياسي والدبلوماسي، بقدرتها على جعل قضية شعبها حاضرة في كل منبر، لا أن تتحول المأساة إلى خبر عابر في نشرات الأخبار.
في عيد الأضحى، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطاب كبير بقدر ما يحتاجون إلى شعور بأن أرواح الناس ليست متروكة لقدر قاس أو لصمت أشد قسوة بل يحتاجون إلى أن يسمعوا صوتاً يقول إن حياة الأطفال ليست هامشاً، وإن الاحياء تحت الانقاض لا يتركوا لمصيرهم.
فالأعياد لا تكون فقط بالزينة وصوت التكبيرات بل أيضاً بالانسانية التي دعت اليها كافة الاديان ما يدفع الى طرح سؤال مؤلم هل أصبحنا أضحية عالم يرى… ويصمت؟