Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر May 25, 2026
A A A
25 أيار: الجنوبيون متفائلون بـ«التحرير الثاني»
الكاتب: زينب حمود

كتبت زينب حمود في “الأخبار”:

كيف يحيي الجنوبيون عيد المقاومة والتحرير بينما هم مُهجّرون وقراهم مُحتلة وبيوتهم مُدمّرة؟ وبماذا يحتفلون بعدما تلاشت رموز اليوم المجيد، وما بقيَ من التحرير أي صورة تُعلّق على جدران النزوح أو ذكرى تُحمل في حقائب المهجّرين؟ الجنوبيون يا سادة يجدون في 25 أيار هذا العام آخر أحلامهم للخلاص، وأكثر تجربة ملهمة لصناعة التحرير، ولهذا يقضونه بالدعاء أن: «يا ربّ التحرير الأول، ارزقنا تحريراً ثانياً». دعاء ممزوج بالتضحيات والعطاءات الجسيمة

25 أيار يعني إخراج المحتل مذلولاً، وكسر جبروت المعابر، وشطب «الشريط المحتل» من القاموس، وفكّ عزل العديسة، ومركبا، ورب الثلاثين، وبليدا، وبني حيان، وبنت جبيل، ورميش، ودبل، وعين إبل، والناقورة، والضهيرة، وحاصبيا، وشبعا، وكفرشوبا، وأخواتها من القرى المحتلة. وتختصره فاطمة حمود، ابنة بلدة مركبا، بأنه «يوم استعدنا فيه الحياة بلا ذلّ، أو بالأحرى، إنه الحياة بعينها».

في الذكرى الـ26 للتحرير، تعود إلى الأذهان أيام ما قبل الـ2000، و«كأنّ التاريخ يعيد نفسه»، تقول أم علي، ابنة بلدة حولا، وتروي معاناة شابة ممرّضة مع الاحتلال، ولا سيما قيوده على تنقلاتها إلى مستشفى مرجعيون وبنت جبيل، والتي تتشدّد بعد تنفيذ المقاومة عملياتها ضد المحتل، وتصل إلى «احتجازنا في المستشفى 10 أيام، وجرّنا منها إلى التحقيق، والنوم في المستشفى حتى يطلع الصباح جراء منع التجوّل ليلاً». عدا «إطلاق النار على أي سيارة تضم راكباً واحداً فقط، تخوّفاً من العمليات الاستشهادية».

وإلى خنق الأهالي داخل قراهم، لا تزال معابر «الذل» تطبع عميقاً في وجدان الجنوبيين الذين عاشوا الاحتلال، بحيث كان يتطلب الخروج من قرى الشريط، والدخول إليها تصاريح «معقّدة»، وتفتيشاً مذلاً، والانتظار في طوابير ريثما يقرّر المحتل أن يفتح المعبر، ولا يسمح خلالها بالانتظار في السيارات، بل «تحت المطر وتحت الشمس». اليوم، يعود الاحتلال ليكبّل أيدي الجنوبيين بخرائطه واستهدافاته، ومرة ثانية يعزل قرى الحافة ضمن حلقة أطلق عليها اسم «المنطقة الصفراء».

و25 أيار يعني عودة المُبعَدين عن قراهم، التي حُرموا منها طويلاً، ومن المشاركة في المناسبات، لأن البقاء في الجنوب نتيجته محسومة: إمّا الاعتقال أو الانضمام إلى جيش «لحد». حتى الآن لا يزال محمود، ابن بلدة مارون الرأس، يأسف على الأيام التي فاتته أثناء إبعاده إلى بيروت من «توديع والدي ودفنه، وحضور زفاف أختي، وتمضية الشباب مع أبناء القرية». وعن المدّ البشري الذي عبر الجنوب راقصاً غير مصدّق التحرير، ذلك المشهد الذي يعجز كثيرون عن وصفه، تأسف أم علي لأنها لم تشاهده لأسباب صحية، لكنها شعرت به شعوراً غريباً و«كأن كل حواسي قد تحرّرت». بين الأمس واليوم، أصبح الجميع مُبعَدين، شبّاناً وشابّات، صغاراً وكباراً وكهولاً، حتى الأموات منهم يُدفنون خارج مقابر بلداتهم.

25 أيار يعني استعادة الكرامة، ووقف استباحة المنازل، وجرف الأراضي، وقطع الأعناق والأرزاق، ويعني حركة عمران شهدها الجنوب مع إطلاق صافرة التحرير. قبلها، كان الاحتلال يدهس حقول القمح والدخان ويطلق النار على المتوجهين إلى «القطيفة» صباحاً. وكان يقتحم المنازل ويعبث في الأثاث. تروي أم علي كيف اقتحم الاحتلال منزلها ذات مرة بحثاً عن قصيدة كتبتها عن شهيد في حولا، وقرأتها أمام مجموعة من الناس، يومها «كسروا التلفاز وخزانة الملابس، وأوقعوا البراد أرضاً، ثم ضربوني على مرأى والدي الذي شاهدته للمرة الأولى يبكي». وها هو الاحتلال اليوم، يستبيح منازل الجنوبيين، ويعبث في أغراضهم الخاصة، ويسرق منها ما يحلو له. ولا يرحم الأراضي الزراعية من الجرف والحرق وسرقة الأشجار وقطعها. وينفّذ إبادة جماعية بحق قرى الحافة، تشمل المنازل والمدارس والمقابر والجوامع والطرقات… حتى محا معالم الحياة وذاكرة الجنوب.

وأخيراً، عندما سُئلت أعرابية عن أحبّ أولادها إليها، أجابت: «صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يعود». لذلك، لا شيء يضاهي عشق الجنوبيين لجنوبهم، حتى يشفى من آثار العدوان، ويعود إلى أهله سالماً مُحرّراً. وحتى ذلك الوقت، سيبقى الـ25 من أيار دليل التائهين والمُحبطين، يحمل على أكتافه المقاومة، بوصلة الجنوبيين إلى التحرير الكامل.