Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر May 23, 2026
A A A
بين عقوبات واشنطن والتصعيد الإسرائيلي.. حكومة سلام عاجزة عن المواجهة..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

كان لافتًا عدم تطرّق مجلس الوزراء أمس إلى العقوبات الأميركية التي فُرضت على ضابطين في الجيش اللبناني والأمن العام، إذ مرّت الجلسة الحكومية في ظل تجاهل كامل لها وكأن شيئًا لم يكن، ما يشير إلى رضوخ السلطة اللبنانية للإملاءات والقرارات الأميركية، إلى حدّ الخضوع لوصاية كاملة.

 

 

 

وإذا كانت العقوبات الأميركية على نواب من “كتلة الوفاء للمقاومة” أمرًا غير مستغرب، ولا سيما أنّ عقوبات سابقة شملت مسؤولين في حزب الله وأشخاصًا اتُّهموا بدعمه، فإنّ استهداف المؤسستين العسكرية والأمن العام اللبنانيتين يشكّل إساءة مباشرة للدولة اللبنانية وإرباكًا لها.

 

 

ويأتي ذلك عشية المفاوضات العسكرية المقرّر عقدها في التاسع والعشرين من الشهر الجاري في وزارة الدفاع الأميركية، بوصاية من واشنطن لا برعايتها، باعتبار أنّ المواقف الأميركية تُظهر يومًا بعد يوم أنّها تصبّ حصريًا في مصلحة إسرائيل، فيما يُطلب من لبنان الاستسلام وتغيير الصيغة التي قام عليها بعد اتفاق الطائف.

 

 

 

أما فرض العقوبات على شخصين مقرّبين من رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيحمل دلالات واضحة على أنّ الرسالة موجّهة إليه مباشرة، نتيجة رفضه المفاوضات المباشرة وتشديده على ضرورة إعتماد المفاوضات غير المباشرة، والعودة إلى اتفاق تشرين الثاني 2024 الذي يمنح لبنان حق الدفاع عن نفسه، ويضمن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الأعمال العدائية وعودة النازحين إلى قراهم واعادة الإعمار.

 

 

ولا شك في أن تهديد بعض النواب الرئيس بري وحركة أمل بالاعتداءات الاسرائيلية إذا لم يُصر إلى تغطية سياسية للمفاوضات المباشرة، يؤكد أن ثمة من يتطوع لتقديم أوراق اعتماد للأميركي أو من هو مكلف من قبله بهذه المهمة لزيادة الضغط من أجل قلب الأمور لمصلحة إسرائيل.

 

في المقابل، يبدو واضحا إصرار الولايات المتحدة على تبنّي الأهداف الإسرائيلية، سواء لجهة توسيع الاحتلال، أو إقامة منطقة عازلة، أو لجهة إحداث تغييرات في المعادلة السياسية اللبنانية، وضرب المسلّمات والثوابت التي تقوم عليها الدولة، وفي مقدّمها إسقاط قانون العداء لإسرائيل والاعتراف بحق الكيان الغاصب على أرض فلسطين المحتلة.

 

من الواضح أنّ لبنان، وعلى الرغم من كسره المحرّمات وارتكابه الكبائر السياسية عبر الدخول في مفاوضات مباشرة خلال ثلاث جلسات عُقدت في واشنطن، لم يحصل على أي خطوة إيجابية من الجانب الإسرائيلي، لا من حيث الانسحاب التدريجي، ولا الالتزام بوقف إطلاق النار، ولا حتى التخفيف من حدّة الاعتداءات.

 

بل على العكس، فإنّ التصعيد الإسرائيلي لا يزال سيّد الموقف، فيما تتزايد الوحشية لتطال المزيد من الشهداء المدنيين والمسعفين، فضلًا عن استمرار إنذارات الأبنية السكنية واعتماد سياسة التدمير الممنهج.

 

 

 

أما في ما يتعلّق بالانسحاب، فيمكن القول إنّ حكومة الكيان الغاصب تدرس بعض جوانبه هربًا من مسيّرات المقاومة التي باتت تشكّل “بعبعًا” للجنود الصهاينة، وتُربك حكومة نتنياهو، التي وعلى الرغم من الاجتماعات المكثّفة واستنفار الخبراء العسكريين، لم تتمكّن من إيجاد حلول ناجعة لها.

 

 

 

كل ذلك يعني أنّ الأميركي والإسرائيلي، على حدّ سواء، يتعاملان مع لبنان على قاعدة تقديم المزيد من التنازلات وصولا إلى الاستسلام مقابل صفر حقوق، والاستمرار في المفاوضات تحت النار لتحقيق الأهداف التي فشلت إسرائيل في تحقيقها خلال الحرب.

 

 

وما العقوبات التي طالت المؤسسة العسكرية سوى ممارسة إضافية للضغط على الفريق العسكري الذي سيتوجّه إلى واشنطن للمشاركة في المفاوضات مع العدو في البنتاغون، وإجبار ضباطه على أن يكونوا أداة طيّعة تبصم على المطالب الإسرائيلية.

 

 

 

أمام هذا الواقع، يبدو لبنان منزوع الأنياب، بسلطة ضعيفة لا تملك حتى حق الاعتراض على القرارات الأميركية، ولو بأضعف الإيمان، عبر البيانات الإنشائية التي اعتادت الحكومة إصدارها، أو من خلال الشعارات الممنوعة من الصرف.

 

وبالتالي فقد أكّدت مجريات جلسة مجلس الوزراء أمس أنّ حكومة نواف سلام باتت عاجزة تمامًا عن مواجهة الضغوطات وعن حماية لبنان، ما يجعلها في حالة أقرب إلى “الموت السريري”.