Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر May 21, 2026
A A A
إيطاليا تصعّد في وجه إسرائيل.. “أسطول الصمود” يفجر أزمة في أوروبا
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

شهدت العلاقة بين الحكومتين الإيطالية والإسرائيلية توترًا غير مسبوق بعد نشر إيتمار بن غفير مقاطع مصورة يسخر فيها من ناشطي “أسطول الصمود العالمي” الذين جرى احتجازهم في ميناء أشدود، في مشهد أثار غضبًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية الأوروبية.

وجاء رد روما سريعًا عبر استدعاء السفير الإسرائيلي لتأنيبه والمطالبة بتوضيحات رسمية واعتذار علني، في خطوة تعكس تصاعد الغضب الأوروبي من السلوك الإسرائيلي تجاه المتضامنين الدوليين مع غزة.

ما جرى مع “أسطول الصمود العالمي” لا يمكن قراءته بوصفه حادثة ظرفية أو تصرفًا فرديًا من وزير يميني متطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، بل يندرج ضمن نهج صهيوني متكرر قائم على استخدام القوة والإذلال العلني ضد الناشطين الأجانب وكل من يحاول كسر الحصار السياسي والإعلامي المفروض على قطاع غزة.

اعتادت إسرائيل على التعامل مع سفن التضامن الدولية بعقلية أمنية وعسكرية، معتبرة أي محاولة للوصول إلى غزة تحديًا مباشرًا لسياساتها، حتى لو كانت هذه المحاولات ذات طابع إنساني أو مدني.

وهي أقدمت خلال 18 عامًا أي منذ العام 2008 على اعتراض أكثر من 25 سفينة انطلقت من مرافئ عدة من قبرص ولبنان واليونان وإيطاليا وليبيا ومالطا وتركيا وإسبانيا وتونس وغيرها وعملت على التنكيل بالمشاركين فيها من جنسيات عالمية مختلفة من دون إيلاء أي اعتبار للقانون الدولي أو للعلاقات التي تربطها بهذه الدول.

وكان الاعتراض الإسرائيلي الأبرز للسفن في الهجوم على “أسطول الحرية” عام 2010، حين اقتحمت القوات الإسرائيلية سفينة “مافي مرمرة” وقتلت عددًا من الناشطين الأتراك، ما تسبب حينها بأزمة دبلوماسية حادة مع تركيا وأثار إدانات دولية واسعة.

المشاهد التي ظهر فيها الناشطون في أسطول الصمود العالمي وهم راكعون ومقيّدون على الأرض بينما كان بن غفير يلوّح بالعلم الإسرائيلي ويطلق عبارات ساخرة، تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد “الاستعراض السياسي.

بل هي تعكس عقلية تقوم على الإذلال ونزع الإنسانية، وهي سياسة لطالما مارستها إسرائيل بوحشية في تعاملها مع الفلسطينيين وحتى مع المتضامنين الأجانب.

كما أن بث هذه المشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي يكشف رغبة واضحة في توجيه رسالة خارجية لوقف هذه التحركات التضامنية، وداخلية إلى جمهور اليمين الإسرائيلي مفادها أن الحكومة تتعامل “بحزم” مع أي تحرك داعم لغزة.

لكن اللافت هذه المرة أن الرد الأوروبي، وخصوصًا الإيطالي، جاء أكثر حدة مقارنة بمواقف سابقة، فوجود مواطنين إيطاليين بين المعتقلين، وبينهم نائب في البرلمان، وضع الحكومة الإيطالية أمام ضغط سياسي وشعبي لا يمكن تجاهله.

كما أن مطالبة روما باعتذار رسمي تُعد مؤشرًا على أن بعض الدول الأوروبية بدأت تنظر إلى التصرفات الإسرائيلية باعتبارها عبئًا دبلوماسيًا وأخلاقيًا متزايدًا.

سياسيًا، تكشف هذه الحادثة عن أزمة أعمق تواجهها إسرائيل على مستوى صورتها الدولية، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم شخصيات من اليمين القومي والديني المتطرف، باتت أكثر ميلًا إلى لغة الاستفزاز والاستعراض الشعبوي.

وهذا ما قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بينها وبين حلفائها الأوروبيين، خاصة في ظل تزايد الانتقادات الغربية للحرب على غزة والانتهاكات المرتبطة بها.

في المقابل، فإن التضامن الدولي مع غزة لم يعد مقتصرًا على الناشطين والمنظمات الحقوقية، بل بدأ يأخذ أبعادًا سياسية وبرلمانية داخل أوروبا نفسها، وصولا إلى إعلان بعض الدول عن التوجه لتوقيف المسؤولين الاسرائيليين وخصوصا بنيامين نتنياهو في حال دخوله أراضيها بعد ادانته من المحاكم الدولية بجرائم الحرب والإبادة الجماعية في غزة.

يمكن القول، إن حادثة “أسطول الصمود العالمي” ليست مجرد أزمة دبلوماسية عابرة بين روما وتل أبيب، بل مؤشر جديد على تصاعد التوتر بين إسرائيل والرأي العام الدولي والأوروبي خصوصًا، وعلى أن سياسة التنكيل والاستعراض بالقوة قد تمنح الحكومة الإسرائيلية مكاسب داخلية مؤقتة، لكنها في المقابل تُعمّق عزلتها السياسية والأخلاقية على الساحة العالمية.