Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر May 20, 2026
A A A
معادلة التفاوض تحت النار: المقاومة تفرض حزاماً أمنياً بالمقلوب واستنزافاً متبادلاً

كتب حسن حردان 

بين مطرقة الاستنزاف الميداني المتصاعد في جنوب لبنان وسندان الحسابات السياسية المعقدة، تجد المؤسسة الإسرائيلية (العسكرية والسياسية) نفسها أمام واحدة من أعقد جبهات الاستنزاف في تاريخها الحديث. ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتبريد الجبهة عبر الإعلان عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار (الهدنة المؤقتة) لمدة 45 يوماً إضافية، تكشف القراءة المتأنية في أروقة الصحافة العبرية والتحليلات الأمنية في تل أبيب عن فجوة عميقة بين الشروط العالية السقف تريد أن تفرضها الحكومة الإسرائيلية على الطاولة، وبين الحقائق القاسية التي يفرضها مقاتلو المقاومة على الأرض.

أولاً: معركة الاستنزاف اللامتناظرة وحفائق الميدان،

تتفق التحليلات العسكرية في صحف مثل هآرتس، يديعوت أحرونوت، والصحف الاقتصادية مثل ذي ماركر، على أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه غارقاً في حرب استنزاف مفتوحة ومكلفة للغاية، أطاحت بقدرته على تحقيق “النصر المطلق” أو استعادة الردع، ويتجلى ذلك في ثلاثة أبعاد:

البعد الأول، تآكل “شعار الحسم” وتكتيك الأرض المحروقة: تشير التحليلات إلى أنّ سقف التوقعات الإسرائيلية هبط من “إنهاء وجود حزب الله عسكرياً” إلى محاولة السيطرة بالنار على ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”. وبات جيش الاحتلال يفضّل هدم القرى الحدودية وتجريفها بدلاً من تمركز جنوده فيها تفادياً للوقوع في كمائن يبرع فيها مقاتلو المقاومة عبر وحدات صغيرة ومتحركة.

البعد الثاني، معضلة المُسيّرات والصواريخ المنخفضة: تبرز الصحف العبرية الكلفة الباهظة التي يتكبّدها الدفاع الجوي (القبة الحديدية ومقلاع داود) لمواجهة مُسيّرات المقاومة الانقضاضية وصواريخها المتوسطة والقصيرة المدى. هذا الخلل في التوازن المالي يحوّل المعركة إلى استنزاف اقتصادي مباشر، حيث تكلّف الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية ملايين الدولارات في مواجهة سلاح منخفض الكلفة يصعب رصده.

البعد الثالث، الفاتورة الاقتصادية والنزيف البشري: نقلت الصحف الاقتصادية أرقاماً مقلقة؛ حيث يُقدّر تفريغ الجبهة الشمالية واستدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط بكلفة تصل إلى 3.2 مليار شيكل شهرياً (نحو 920 مليون دولار). هذا النزيف المالي يترافق مع ضغط شعبي داخلي متزايد جراء الإعلان المستمر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود خلال اشتباكات الجنوب.

ثانياً: تمديد الهدنة والشروط الإسرائيلية التعجيزية،

في موازاة العجز الإسرائيلي عن الحسم الميداني، جاء الإعلان عن تمديد الهدنة الهشة لـ 45 يوماً برعاية أميركية لإعطاء فرصة للمفاوضات السياسية والعسكرية (المرتقبة في واشنطن عبر مسار أمني عسكري في البنتاغون، وآخر سياسي). لكن القراءة الإسرائيلية لشروط هذه الهدنة تكشف عن رغبة في فرض “استسلام سياسي” على لبنان:

1 ـ شرط “حرية الحركة العسكرية”: تصرّ حكومة العدو على أنّ الاتفاق لا يكبّل يديها، وأنّ لـ “إسرائيل الحق الكامل في تنفيذ ضربات موجهة داخل العمق والجنوب اللبناني ضدّ أيّ تحركات تراها تهديداً مستقبلياً، وهو ما يفسّر استمرار الغارات العنيفة واستهداف مدينة صور وبلدات الجنوب رغم إعلان التمديد.

2 ـ إفراغ الجنوب: تتلخص الرؤية الإسرائيلية في السعي الى فرض حظر أمني شامل جنوب نهر الليطاني، مع ترحيل أيّ وجود مسلح للمقاومة، ومنع عودة السكان إلى القرى الحدودية إلا بضمانات رقابة صارمة، وهي شروط تصفها الأوساط الموضوعية بأنها غير قابلة للتطبيق بآليات دبلوماسية مجردة.

ثالثاً: التلويح بـ “الهجوم البري الواسع” وأثره على المفاوضات،

لم تتوقف التسريبات العسكرية الإسرائيلية عن وضع قيادة جيش العدو لخطط جاهزة لـ “هجوم بري أوسع وعميق” يتجاوز الحزام الحدودي الحالي باتجاه عمق الجنوب اللبناني. هذا التلويح العسكري يمثل استراتيجية “المناورة تحت النار” وله أثر مباشر على مسارين:

مسار أول: ترى القراءات التحليلية أنّ “إسرائيل” لا تنظر إلى الـ 45 يوماً كفترة تهدئة، بل كمهلة لوجستية لترتيب الصفوف، وتثبيت وقائع ميدانية تمنع النازحين اللبنانيين من العودة إلى القرى الحدودية، ما يجعل الهدنة مجرد “وقف مؤقت للهجوم الشامل” وليس وقفاً حقيقياً للعمليات الحربية.

مسار ثان: تستخدم تل أبيب التهديد بالاجتياح البري الأوسع كـ “هراوة غليظة” لابتزاز الدولة اللبنانية والضغط على وفدها المفاوض للقبول بالشروط الإسرائيلية المرتفعة. غير أنّ هذا التلويح يضع المفاوضات في مناخ “السير على حافة الهاوية”، ويقابَل بردّ فعل ميداني فوري من المقاومة التي تكثف استهدافاتها؛ لإيصال رسالة واضحة لواشنطن وتل أبيب بأنّ أيّ اتساع للعملية البرية سيقابله تعميق لمستنقع الاستنزاف البشري للجيش الإسرائيلي، نتيجة الدخول في خطوط دفاعية للمقاومة.

رابعاً: الخلاصات الإستراتيجية،

تؤدي القراءة المتقاطعة للميدان والسياسة في الوعي الإسرائيلي إلى ثلاث خلاصات أساسية:

الخلاصة الأولى، سقوط عقيدة الحسم السريع: إنّ قبول “إسرائيل” بالهدن المتتالية والتفاوض المستمر هو اعتراف مضمَر بعدم القدرة على إنهاء “التهديد عسكرياً” ، وتحوّل الأهداف من “سحق العدو” إلى “إبعاده بالنار”.

الخلاصة الثانية، الحزام الأمني المقلوب: نجحت المقاومة في فرض واقع يعيش فيه الشمال الفلسطيني المحتلّ تحت رحمة الاستنزاف اليومي، وبات المستوطنون عبئاً وضغطاً سياسياً داخلياً على حكومة نتنياهو، حيث يرفضون العودة دون ضمانات أمنية مطلقة لا يمكن للهدنة المؤقتة توفيرها.

الخلاصة الثالثة، تأجيل الانفجار لا إلغاؤه: إنّ شروط “إسرائيل” التعجيزية وتلويحها بالهجوم البري الواسع يجعل من مهلة الـ 45 يوماً “استراحة محارب” ملغومة. فطالما أنّ الاحتلال يصرّ على خرق السيادة اللبنانية كشرط ثابت، وطالما أنّ المقاومة متمسكة بمعادلات الردع، فإنّ مُسبّبات الانفجار الشامل تظل قائمة وتنتظر فقط المسار الدبلوماسي في اسلام آباد وتأثيره على مسار واشنطن أما باتجاه تسوية تنهي الحرب على كلّ الجبهات او باتجاه العودة إلى لغة الحديد والنار…