Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر May 18, 2026
A A A
ما المقصود بالمسار التفاوضي الأمني؟
الكاتب: جوني منيّر

كتب جوني منيّر في الجمهورية 

 

 

 

تفاوتت التقييمات حيال نتائج الجولة التفاوضية الثالثة المباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت الإشراف الأميركي في واشنطن. لكن ما صدر في ختام الجولة أوحى بأننا بتنا أمام انتقال من مرحلة إدارة الإشتباك إلى محاولة بناء إطار سياسي ـ أمني طويل الأمد، ولو أنّ الوصول إلى اتفاق نهائي ما زال بعيداً، وأمامه طريق متعرّج محفوف بالمخاطر ومزروع بالألغام. وقد ظهر ذلك بسرعة مع عدم التزام إسرائيل بالهدنة في الجنوب، ما دفع إلى الإستنتاج بأنّ المرحلة تبدو أقرب إلى هدنة تفاوضية تحت النار، وليس تعبيد الطريق أمام سلام مستقر.

 

لكن الجولة الثالثة، والتي تشكّل فعلياً جولة التفاوض الأولى، احتوت عدداً من الإشارات المعبّرة، والتي لا بدّ من التوقف عندها وقراءة خلفياتها. فكان لافتاً تمديد الهدنة لفترة 45 يوماً، وهو تمديد طويل إلى حدّ ما وبالمقارنة مع التمديد السابق، في وقت كانت الإشارات الإسرائيلية تتوالى حول احتمال العودة قريباً إلى الحرب المفتوحة مع لبنان. وكانت عواصم غربية عدة وفي طليعتها واشنطن، قد أبلغت إلى المسؤولين اللبنانيين الكبار، أنّ إسرائيل تستعد للعودة إلى الحرب المفتوحة مع لبنان خلال الأسابيع المقبلة. وفي وقت أخذ البعض هذه التحذيرات على محمل الجدّ، فإنّ البعض الآخر أدرجها في سياق الضغوط على السلطة اللبنانية تمهيداً للجولة التفاوضية. لكنّ إقرار التمديد الطويل نسبياً للهدنة، أعطى الإنطباع بأنّ الطرف الأميركي لا يؤيّد توسيع دائرة النار في لبنان الآن والذهاب إلى الحرب الواسعة، ربما بسبب تركيز واشنطن على الوضع الإيراني. لكن ذلك لا يلغي خطر المواجهات الموضعية أو الضربات المحددة والمحدودة. وخلال جلسات التفاوض في واشنطن، تحدث السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، متوجّهاً إلى رئيس الوفد الإسرائيلي قائلًا إنّه تلقّى طلباً لبنانياً بتمديد الهدنة لأطول فترة ممكنة، وأنّه، أي عيسى، يؤيّد بقوة هذا الطلب. وانطلاقاً من ذلك تمّ إقرار تمديد الـ45 يوماً. وعقّب عيسى على ما تمّ إقراره متوجّهاً إلى الوفد اللبناني قائلاً، بأنّه يأمل أن يؤدي هذا التمديد الطويل إلى خطوات عملية من جانب لبنان في الملفات المطروحة على الطاولة.

 

 

 

لكن الخشية اللبنانية كانت تتركّز حول استمرار الخروقات اليومية الإسرائيلية كما هو حاصل منذ إقرار وقف النار. وهذه النقطة أثارها الرئيس نبيه بري في مواقفه المعلنة، كما في التواصل القائم بينه وبين قصر بعبدا عبر مستشاره علي حمدان ومستشار رئيس الجمهورية العميد أندره رحال، والذي كان يتولّى نقل آخر التفاصيل الواردة من قاعة المفاوضات في واشنطن. وعلى الموجة نفسها، طلب وليد جنبلاط من ممثله في لجنة التفاوض السفير شوقي بو نصار، التمسّك بهذا الطلب، كونه كان عضواً مشاركاً في لجنة المفاوضات، والتي كانت تواكب اجتماعات واشنطن من قصر بعبدا. وهذه اللجنة التي يرأسها السفير سيمون كرم تضمّ بالإضافة إلى بو نصار، الأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى. وسُجّل تغييب بول سالم عن آخر اجتماعاتها، بعد الإكتفاء بممثل واحد عن المسيحيين وهو كرم. وفي وقت بقي مقعد الممثل الشيعي فارغاً، وافق جنبلاط على إشراك ممثله في الإجتماعات التي تُعقد فقط في لبنان في غياب الممثل الشيعي، وليس خارجه. المهم أنّ السفير بو نصار طلب إلزام الوفد الإسرائيلي بتثبيت وقف إطلاق النار وليس فقط بالتمديد، وذلك خطياً أو عبر موقف رسمي وعلني. وأمام تدخّل السفير الأميركي كان الجواب الإسرائيلي أنّ إسرائيل تلتزم بعدم استهداف العمق اللبناني والمتمثل بالعاصمة بيروت. وأضاف، أنّ الواقع في الجنوب مختلف، متّهما «حزب الله» بأنّه هو من يعمد إلى خرق قرار وقف النار من خلال نقل أسلحة وذخائر إلى مناطق جنوب الليطاني عبر وسائل عدة، ومنها سيارات الهيئة الصحية الإسلامية، ومضيفاً أنّ المسيّرات الإسرائيلية تجوب الأجواء اللبنانية وتراقب التحركات على الأرض على مدار الساعة. وعلى رغم من إصرار الوفد اللبناني وتفهّم السفير الأميركي عيسى، إلّا أنّ الوفد الإسرائيلي رفض تقديم أي التزام خطي أو حتى بيان رسمي، بعدم خرق قرار وقف النار، لكي لا يلزم إسرائيل بأي موقف رسمي. وبالفعل بقي الجنوب مشتعلاً خلال جلسات التفاوض وبعدها، وحتى عند بدء موعد العمل بالتمديد الثاني لقرار وقف النار.

 

 

 

وخلال الجلسات المتواصلة، كرّر الوفد الإسرائيلي «لازمته» رداً على النقاط اللبنانية، بأنّه لا توجد أطماع إسرائيلية بأي قطعة أرض لبنانية ولا بالمياه، وأنّ مشكلته الوحيدة هي أمنية وتنحصر بالتركيبة العسكرية لـ«حزب الله» والسلاح، وأنّه عندما تنتفي هذه «المخاطر» على أمن المستوطنات الشمالية الإسرائيلية، فلا تعود هنالك مشكلة لدى إسرائيل مع لبنان. وقد تكون إسرائيل تسعى من خلال موقفها لفرض معادلة جديدة مفادها: لا انسحاب قبل قيام لبنان بالخطوات المطلوبة منه، ولا وقف دائماً وثابتاً لإطلاق النار قبل ضمان نزع سلاح «حزب الله». وهنا يأتي الجزء الأهم والمتعلق بالخطوات المطروحة حول سلاح الحزب.

 

 

 

فللمرّة الأولى تشهد مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية وجود مسارين: واحد سياسي والثاني أمني. وهذه الخطوة المهمّة جداً توحي بوجود خطة سيتولاها الجيش اللبناني وتتعلق بالسلاح والحدود والضمانات الميدانية، إلى جانب المسار السياسي، والذي سيتطرّق إلى مسائل الحدود البرية والنقاط المتنازع عليها، وربما ترتيبات إقليمية أكبر. ومجرد استمرار انعقاد الجولات التفاوضية في واشنطن، فهذا يعني التزاماً لا بل انخراطاً أميركياً مباشراً في تنفيذ الملفات المفتوحة. ولهذا معناه.

 

 

 

ففي 29 الجاري، مَن سيشارك لبنان بوفد عسكري في مفاوضات مع وفد عسكري إسرائيلي في مقر «البنتاغون»، وتحت إشراف وفد عسكري أميركي كبير يضمّ عدداً كبيراً من الضباط الكبار، وبما يفوق مجموع عدد الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي معاً. ومن المنطقي الإستنتاج، بأنّ هذا المسار «الجديد من نوعه» يعكس توجّهاً أميركياً حازماً بعدم إهدار مزيد من الوقت، وبالتالي الذهاب أسرع ما يمكن إلى خطوات تنفيذية. أو بتعبير آخر، إنّ الإدارة الأميركية تعمل على إخراج لبنان من الدائرة الرمادية إلى دائرة القرار والتنفيذ وحسم الخيارات. وما من شك في أنّ هذا المسار يؤرق قيادة الجيش، فهي تعرف جيداً ما ينتظرها، والخيارات الصعبة التي تواجهها. وقد تكون أولى الصعوبات في طريقة تشكيل الوفد العسكري، وما إذا كان سيراعي التنوّع الطائفي اللبناني الحساس جداً، في هذه المرحلة خصوصاً.

 

 

 

والنقطة الثانية، تتعلق بالطرح الأساسي الذي سيحمله الوفد الإسرائيلي، والذي يشكّل أيضاً مطلباً أميركياً، وهو المتعلق بالتركيبة العسكرية لـ«حزب الله» وسلاحه. وقبل بضعة أيام، قال قائد «سينتكوم» الأميرال براد كوبر، إنّ الهدف الأميركي الأساسي من دعم الجيش اللبناني هو مواجهة «حزب الله». وكلام المسؤول العسكري الأميركي الأول في الشرق الأوسط، يدفع إلى الإستنتاج بأنّ المساعدات الأميركية السنوية للجيش اللبناني باتت مرتبطة مباشرة بمهمّة نزع سلاح «حزب الله». فالدعم الأميركي للجيش يجب أن يقترن بخطة واضحة تتضمن برنامجاً تنفيذياً وعملياً. وذلك على رغم من أنّ القيادة العسكرية الأميركية كانت تبلّغت مرّات عدة وبطرق مختلفة، أنّ قيادة الجيش ترفض الصدام العسكري مع «حزب الله» لأسباب تتعلق بحماية الإستقرار الداخلي. وقد تكون ردّة الفعل الأميركية تجميد المساعدات، والتي تشكّل «أوكسيجين» استمرار عمل الجيش. كما أنّ الطرح الذي كان قد أشار إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمكلّف متابعة الملف اللبناني، حول تشكيل قوة خاصة داخل الجيش اللبناني، سيكون حاضراً بقوة على طاولة البنتاغون. وفي وقت يلحظ المشروع الأميركي تدريب هذه القوة المنتقاة بعناية في الولايات المتحدة الأميركية وتسليحها بأسلحة متطورة، فإنّ الجهات اللبنانية تعتبر أنّ تشكيل هذه القوة وفق المواصفات المطروحة والمهمّة المطلوبة منها، سيكون صعباً. ومن البديهي الإستنتاج أنّ واشنطن لا تريد سماع ما يردّده المسؤولون اللبنانيون حول احتمال انقسام الجيش في حال الدخول في مواجهات مع «حزب الله». وبالتالي، فإنّ هذه القوة التي سيجري تشكيلها وتدريبها وتجهيزها ستتولّى المهمّة من دون الخشية من تأثيرات سلبية، أقلّه هذا ما يعتقده الأميركيون. وفهم أنّ محادثات تجري بين لبنان وواشنطن عبر قنوات خلفية لتوضيح الزوايا الحساسة.

 

 

 

وهذا الجانب كان احتل جزءاً أساسياً خلال اليوم الأول من مفاوضات واشنطن، وحيث كان السفير كرم ينقل كل نحو ساعتين موجزاً مفصلاً حول النقاط المطروحة.

 

ولم تتأخّر بالظهور رسائل إعتراض «حزب الله». وجاءت عبر بيان رسمي عالي اللهجة، وهو حمل في مضامينه رفضاً للمسار التفاوضي المباشر، ومقروناً برسالة ضغط على السلطات اللبنانية، بهدف رسم سقف سياسي أمامها لمنعها من السير إلى الأمام في المشروع المطروح أمامها. لكن وعلى رغم من عباراته المتشدّدة والقوية، فإنّ طابع البيان جاء دفاعياً أكثر منه هجومياً، ولو جاءت مفرداته حادّة. وهو ما يعني أنّ الحزب لا يريد مواجهة داخلية شاملة الآن، ما يجعل البيان أقرب إلى محاولة إحتواء لما نتج من الجولة التفاوضية، والحؤول دون تشكيل إجماع داخلي ضدّ «حزب الله». أي أنّه يقول إنّه يرفض الشروط السياسية للمفاوضات، ولكنه لم يغلق الباب بعد أمام التهدئة. وقد يكون أنّ الحزب بات يرى أنّ الخطر لم يعد عسكرياً بل سياسياً داخلياً أيضاً. فهنالك ضغط أميركي متقدّم ووفق برنامج مدروس، إضافة إلى غطاء عربي لهذه الطروحات، وتعب لبناني داخلي من الحرب المستمرة، ومحاولة تعديل ميزان القوى داخل السلطة. لكن تريث «حزب الله» قد يكون بسبب عدم رغبته بفتح جبهتين عليه في آن معاً. واحدة عسكرية خارجية، وثانية سياسية داخلية. لكن إذا تحولت المفاوضات رسمياً إلى جدول زمني لنزع السلاح، فحينها سترتفع احتمالات التصعيد الداخلي والسياسي وربما الأمني، وهو ما يقلق قيادة الجيش.

 

 

 

وربما لذلك نصح وليد جنبلاط بضرورة التنسيق الدائم بين رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة، على رغم من وجوده في باريس. فالتنسيق وحده بين هذه المواقع الثلاثة يمكن أن يؤمّن الحماية السياسية للمفاوضات، ويضمن نتائجها. وأمام من التقاهم في العاصمة الفرنسية، اعتبر جنبلاط «أنّ الظرف الذي يمرّ فيه لبنان صعب وخطير، فإسرائيل تريد الإستمرار في مشروعها التدميري في لبنان، وأنّه لا حل أمام لبنان سوى المفاوضات، فهي السبيل الوحيد للخروج من هذا الجحيم، ولا مسار آخر متوافراً».

 

 

 

ولكن، هل هذا يعني أنّ هذه المفاوضات أنهت خطر العودة إلى الحرب المفتوحة؟ بالتأكيد كلا، لأنّ العقدة الأساسية لم تُحلّ بعد. فإسرائيل تريد إحداث تغيير جذري في الواقع الأمني. وفي المقابل لا يبدو «حزب الله» مستعداً للتسليم بما هو مطروح، والأهم أنّ إيران لا تزال ترفض القبول بالمعادلة الإقليمية الجديدة، وتتشبث بعدم خروجها من الشاطئ اللبناني. وهي لذلك تراقب المسار اللبناني وتربطه بالتفاوض الأميركي ـ الإيراني الأوسع.