Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر May 18, 2026
A A A
في زمن الحرب… ماذا نفعل اقتصادياً وإغاثياً؟

كتب أحمد بهجة

 

 

في زمن الحرب تطغى المواضيع السياسية والأمنية على غيرها من الأمور. ربما يكون الأمر منطقياً لأنّ السعي لوقف الحرب يكون سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولى. لكن هذا لا يعني إغفال الجوانب الأخرى الاقتصادية والمالية والخدماتية، خاصة أنّ الحرب تزيد المعاناة والحاجات لدى الغالبية الكبرى من المواطنين، سواء الذين يتعرّضون مباشرة لمفاعيل الحرب ويضطرون للنزوح إلى أماكن أكثر أمناً، مع ما يستدعيه هذا النزوح من أكلاف وأعباء إضافية، أو الذين يعيشون في مناطق آمنة نسبياً لكن تطالها حكماً المفاعيل السلبية للحرب.

هنا يمكن اللجوء إلى العلوم الطبّية التي تقول إنّ جسم الإنسان إذا ما تعرّض أيّ عضو فيه إلى خلل ما فإنّ سائر الأعضاء تستنفر وتقوم بجهود إضافية لكي تحفظ حيوية الجسم ريثما يكون العضو العليل قد تعافى أو سلك طريق التعافي.

وقد رأينا خلال هذه الحرب، وباستثناء أصوات فردية قليلة جداً، كيف تفاعل المجتمع اللبناني إيجاباً، واحتضن النازحين من الجنوب والضاحية، بكلّ ترحاب، وكيف سعت معظم البلديات والهيئات الأهلية المحلية في كلّ المناطق لتوفير الإيواء أولاً ثم الغذاء والدواء والطبابة لمن هم بحاجة إلى ذلك، إضافة طبعاً إلى المواكبة المباشرة من قبل الجهات المختصة لدى الثنائي الوطني، الذي يولي كلّ الاهتمام للنازحين، رغم أنّ الحاجات والمتطلبات الإغاثية تبقى دائماً أكثر من القدرات.

هنا يأتي السؤال عن دور الدولة وأجهزتها المعنية، وما إذا كانت تقوم بما عليها من واجبات تجاه مواطنيها الذين تركوا بيوتهم العامرة وأرزاقهم بما فيها من خيرات وموارد، قبل أن يحرقها ويدمّرها ويجرفها العدو الإسرائيلي بنيران حقده وغطرسته وإرهابه.

الجواب طبعاً هو أنّ الدولة أو السلطة مُقصّرة تجاه هؤلاء المواطنين، خاصة أنّ أبناء الجنوب لديهم شعور قديم جداً يعود إلى الخمسينات والستينات والسبعينات بأنّ الدولة لم تهتمّ لأمرهم، ولم تقم بحمايتهم كما تفعل الدول عادة، بل تركتهم يواجهون لوحدهم العدو الإسرائيلي الغاشم الذي لطالما ارتكب بحقهم كلّ أنواع الاعتداءات على البشر والحجر وعلى الزرع والضرع، إلى أن تمكّنوا بأنفسهم من امتلاك القوة اللازمة لصدّ الاعتداءات ولتحرير أرضهم المحتلة عام 2000 وحمايتها عام 2006، وصولاً إلى الحرب الحالية التي يشنّها العدو الإسرائيلي الذي لم يلتزم مطلقاً بموجبات اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024.

المطلوب من الدولة أكثر بكثير من أن تهتمّ بالنازحين وأن توفر حاجاتهم ومتطلباتهم المختلفة، سواء كانوا في مراكز الإيواء أو كانوا في منازل استأجروها بشقّ النفس. هذا أمر أساسي بكلّ تأكيد لكن بالدرجة نفسها على السلطة أن تسعى بكلّ الوسائل للتخفيف من آثار الحرب على الناس، لأنّ الانعكاسات السلبية للحرب لم تقتصر فقط على النازحين، بل هي طالت كلّ شرائح المجتمع اللبناني في مختلف المناطق، وبالتالي تحتاج الحكومة إلى وضع خطة طوارئ اقتصادية واجتماعية سريعة، وذلك بالتوازي مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة والاستقرار، من خلال توفير القدرة اللازمة لقطاعات الإنتاج المختلفة أن تواصل عملها حتى في فترة الحرب التي تبقى بعيدة نسبياً بآثارها الأمنية عن مناطق لبنانية كثيرة.

وأذا أردنا أن نعطي مثلاً عن ما يمكن أن تفعله الحكومة في هذا المجال يكفي أن نشير إلى رقم واحد يتعلق بالفارق الشاسع بين الاستيراد والتصدير، وضرورة المسارعة إلى تقليص هذا الفارق، وهو أمر ممكن شرط اتخاذ بعض القرارات الجريئة والجذرية.

ولمزيد من التفصيل فإنّ الإحصاءات التي نشرتها “شركة الدليل الصناعي” تشير إلى أنّ مجموع ما استورده لبنان لسنة 2025 بلغ 21.075.556 مليار دولار مقابل تصدير 3.639.486 مليار دولار أيّ بعجز 17.463.070 مليار دولار.

وقد بلغ مجموع ما استورده لبنان من سلع يتمّ تصنيع مثيل لها في لبنان 9.239.903 مليار دولار مقابل تصدير سلع تنتجها الصناعة اللبنانية يبلغ 2.864.434 مليار دولار أيّ بفارق 6.375.469 مليار دولار من سلع يتمّ تصنيعها في لبنان وهي بمثابة استيراد إغراقي كان يمكن تفادي قسم كبير منها خاصة أنّ الصناعة اللبنانية قادرة على تصنيع هذه السلع وتوفير استيراد ما يقدّر 5.023.000 مليار دولار.

الأمر المُستغرب هو تلكّؤ الحكومة حتى الآن عن اتخاذ أيّ إجراء يُساهم في ردمٍ متدرّج للهوّة في الميزان التجاري من خلال العمل على إعادة النظر في الاتفاقات التجارية التي تسمح بتفادي الاستيراد الإغراقي من خلال فرض رسوم نوعية على عدد كبير من السلع التي يمكن للصناعة اللبنانية إنتاجها وتزويد الأسواق المحلية بهاِ، خاصة أنّ هذا التدبير لا يكلّف الخزينة شيئاً، ولا يحتاج إلى مساعدات أو استثمارات وغيرها…

ولسنا بحاجة هنا للحديث عن الانعكاس الإيجابي الكبير على الاقتصاد اللبناني إذا نجحت الحكومة في خفض هذا الرقم الهائل من الاستيراد، والاستعاضة عن ذلك بتعزيز الصناعات اللبنانية القادرة على توفير البديل للسلع المستوردة.

بالتأكيد لن نصل بسرعة إلى الإنجاز الكامل على هذا الصعيد، لكن يمكننا على الأقلّ البدء من مكان ما، والتعاطي مع هذه المسألة بجدية تامة وبخطوات مدروسة، وهذا كفيل بزرع بعض الثقة بالاقتصاد الوطني، وكلّ شيء في الاقتصاد يبدأ بالثقة…