Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر May 15, 2026
A A A
بين الاستنزاف والاقتصاد العالمي: هل تُعاد صياغة الحروب على إيقاع المصارف؟

كتب المحامي طنوس فرنجيه:

في الحروب غير المتماثلة، لا يُقاس ميزان القوى فقط بعدد الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الأطراف المتنازعة على تحمّل كلفة الحرب والاستمرار فيها زمنياً. فالمعركة هنا ليست مجرد مواجهة نارية مباشرة، بل اختبار طويل للنَفَس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. ولهذا السبب برزت عبر العقود ما يُعرف باستراتيجية الاستنزاف، وهي استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم تدريجياً، لا عبر إسقاطه بضربة واحدة، بل عبر استنزاف موارده وقدراته ورفع كلفة بقائه في ساحة المواجهة.

وقد أثبتت تجارب عديدة أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض حصراً على خطوط الجبهات التقليدية. فخلف المدافع والصواريخ توجد خرائط أخرى للصراع: خرائط الطاقة، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، ومواقع النفوذ الاقتصادي. ولهذا تسعى القوى الكبرى في كثير من الأحيان إلى تأمين السيطرة على الموارد الطبيعية أو على طرق عبورها، باعتبار أن من يتحكم بمسارات الاقتصاد يمتلك قدرة إضافية على التأثير في موازين القوة الدولية. وفي المقابل، يرى الطرف المعتدى عليه أن حماية هذه الموارد أو منع السيطرة عليها ليست شأناً اقتصادياً فحسب، بل جزءاً من معركة السيادة والوجود.

وفي ضوء هذا الفهم، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ولبنان، وفق القراءة التي يتبناها البعض، أبعد من مجرد مواجهة عسكرية ذات أهداف أمنية أو سياسية مباشرة. فكل حرب طويلة ومفتوحة تُنتج أثماناً باهظة، لا تقع على ساحات القتال وحدها، بل تمتد إلى الأسواق، وإلى المؤسسات المالية، وإلى حركة الرساميل، وإلى بنية الاقتصاد العالمي نفسه. وعندما ترتفع الأكلاف إلى مستويات كبيرة، يصبح السؤال الاقتصادي حاضراً بقوة: من يدفع الثمن؟ ومن يستفيد؟ ومن يتضرر؟

ومن هنا يبرز تساؤل يتجاوز القراءة العسكرية المباشرة. فإذا كانت الحرب قد فرضت أثماناً متزايدة على الاقتصاد الدولي وعلى مصالح مراكز النفوذ المالية، فهل بدأت بعض القوى الاقتصادية الكبرى تبحث عن إعادة التموضع؟ وهل يمكن تفسير تحركات الرئيس Donald Trump تجاه الصين ضمن سياق أوسع يتصل بمحاولة احتواء تداعيات اقتصادية فرضتها تحولات النظام الدولي؟

هذا السؤال يزداد حضوراً مع تنامي الوزن المالي الصيني وصعود مؤسسات مصرفية عملاقة مثل Bank of China، التي باتت تمثل جزءاً من توسع الصين في النظام الاقتصادي العالمي. فالصراع الدولي اليوم لا يُقاس فقط بحجم الأساطيل العسكرية، بل أيضاً بحجم القدرة على إنتاج بدائل مالية وتجارية ونقدية جديدة. وما كان يُحسم بالسلاح وحده، بات يُحسم أحياناً في المصارف والأسواق وغرف القرار الاقتصادي.

ومع ذلك، يبقى الانتقال من فرضية اقتصادية إلى نتيجة سياسية حاسمة أمراً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالقول إن رئيساً ما يتحرك بصفته ممثلاً لـ”لوبي متضرر” من الحرب يتطلب معطيات وقرائن مباشرة. لكن ما يمكن قوله إن الحروب الكبرى عبر التاريخ لم تكن منفصلة يوماً عن مصالح الاقتصاد والنفوذ المالي، وأن الوقائع كثيراً ما أثبتت أن المدافع والمصارف تتحرك أحياناً ضمن الإيقاع نفسه، وإن اختلفت الأدوات.

وربما لهذا السبب لم تعد الأسئلة الحقيقية في الحروب المعاصرة تبدأ عند خطوط النار، بل عند السؤال الأقدم: من يملك القدرة على تحمّل الكلفة حتى النهاية؟ لأن من يستطيع الصمود اقتصادياً، قد يكون الأقدر في النهاية على إعادة رسم الخريطة السياسية نفسها.