Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر May 8, 2026
A A A
رسائل نارية إسرائيلية برسم الإدارة الأميركية..؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

بين ضجيج الغارات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب اللبناني، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وبين الاستعدادات الجارية لانتقال رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم إلى واشنطن، تبدو الصورة شديدة التناقض: مفاوضات مباشرة تحت الرعاية الأميركية الرفيعة المستوى، مقابل تصعيد ميداني متسارع يوحي بأن إسرائيل لا تتعامل بجدية مع فرص التهدئة، ولا مع المساعي الأميركية الهادفة إلى تثبيت استقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية.

فالرسائل النارية التي تحملها الغارات الأخيرة تتجاوز البُعد العسكري التقليدي، لتأخذ أبعاداً سياسية وإقليمية أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن اتجاه أميركي واضح نحو فصل المسار اللبناني عن مسار التفاوض مع طهران. وهو فصل تسعى واشنطن من خلاله إلى منع إبقاء الساحة اللبنانية رهينة الاشتباك الإيراني ــ الإسرائيلي، وخلق مساحة تفاوض مستقلة تسمح بمعالجة الوضع الحدودي بين لبنان وإسرائيل بعيداً عن تعقيدات الملف النووي الإيراني وتشعباته الإقليمية.

غير أن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، تبدو غير مرتاحة لهذا التوجه الأميركي. ف«تل أبيب» تدرك أن أي تفاهم أميركي ــ إيراني يفضي إلى خفض مستوى التوتر الإقليمي، قد يحدّ من قدرتها على استخدام الجبهات المفتوحة، ومنها الجبهة اللبنانية، كورقة ضغط سياسية وأمنية في مواجهة طهران. ومن هنا، قرأ كثيرون الغارة الأخيرة على الضاحية الجنوبية باعتبارها رسالة اعتراض إسرائيلية مباشرة للإدارة الأميركية، أكثر مما هي مجرد عملية عسكرية ميدانية.

هذه الرسالة تحمل في طياتها محاولة إسرائيلية واضحة لتذكير واشنطن بأن أي تسوية إقليمية لا تراعي الحسابات الأمنية والسياسية لتل أبيب ستبقى معرضة للاهتزاز. كما تعكس خشية إسرائيلية من أن يؤدي أي اتفاق أميركي مع إيران إلى فرض وقائع جديدة في المنطقة، تُلزم إسرائيل بوقف التصعيد والانتقال إلى مرحلة ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وهو ما لا يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية متحمسة له، في ظل تركيبتها اليمينية المتشددة، ومع إقتراب موعد إنتخابات الكنيست.

لكن خطورة هذا المسار لا تقتصر على البُعد السياسي فقط، بل تمتد إلى تقويض الجهود الأميركية نفسها. فواشنطن التي تحاول تسويق خيار التفاوض المباشر كمدخل لاحتواء الحرب ومنع توسعها، تجد نفسها أمام سلوك إسرائيلي يضعف صدقية المسار التفاوضي، ويعزز داخل لبنان مناخ الشك بإمكان الوصول إلى تفاهمات ثابتة وملزمة.

لذلك، تبدو مهمة الوفد اللبناني في واشنطن شديدة التعقيد، لأنها لا تقتصر على التفاوض حول ترتيبات أمنية أو وقف العمليات العدائية، بل تشمل أيضاً اختبار مدى قدرة الإدارة الأميركية على إلزام إسرائيل بمسار ديبلوماسي فعلي، لا يتحول إلى مجرد غطاء لحرب مفتوحة بإيقاع ملتبس، وإستمرار الإحتلال للمناطق الجنوبية، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم ومنازلهم، وهذا بند في مقدمة الأولويات اللبنانية في مفاوضات واشنطن.