Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر May 8, 2026
A A A
حين تُهان السيدة العذراء في الجنوب ويصمت المدّعون الدفاع عن المسيحية

كتب د. كلود عطية

 

 

لم يكن الاعتداء الذي نفّذه جنود يهود على أيقونة وتمثال السيدة العذراء في جنوب لبنان مجرد تفصيل عابر في يوميات الحرب، بل كان مشهداً صادماً يمسّ وجدان كلّ مسيحي حقيقي، وكلّ إنسان يؤمن بحرمة المقدسات والرموز الروحية. فالسيدة العذراء ليست مجرد تمثال حجري أو أيقونة معلّقة على جدار كنيسة، بل هي في الوعي المسيحي رمز الطهر والألم والخلاص والأمومة المقدسة، وهي صورة روحية جامعة عبرت القرون والحروب والانقسامات.

وحين تمتدّ يد جندي إسرائيلي لتدنيس هذا الرمز في أرض لبنان، فإنّ المسألة تتجاوز التخريب المادي إلى محاولة إذلال معنوي وثقافي وروحي. إنها رسالة قوة تقول إن لا قداسة تعلو فوق سلطة الاحتلال والسلاح. لكن الأكثر إيلاماً من الفعل نفسه، كان الصمت الذي تلاه.

أين الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حين وُجّهت إساءة سياسية أو إعلامية للبطريرك أو لبعض الرموز المسيحية؟ أين الأحزاب والشخصيات والمنابر التي ملأت الشاشات بخطابات الدفاع عن “كرامة المسيحيين”؟ لماذا يتحوّل الغضب إلى بركان حين يكون الخصم في الداخل، بينما يخفت الصوت حدّ الاختفاء عندما يأتي الاعتداء من جندي إسرائيلي يدنّس تمثال السيدة العذراء نفسها؟

هنا تحديداً تنكشف الأزمة اللبنانية العميقة: أزمة الوعي الانتقائي.

فبعض القوى في لبنان لم تعد تتعامل مع المقدسات المسيحية بوصفها قيمة روحية ثابتة، بل بوصفها أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة في معركة الاصطفافات الداخلية. ولذلك، عندما تعرّض سماحة الشيخ نعيم قاسم للإهانة الكاريكاتورية، وردّ بعض جمهور المقاومة بخطاب انفعالي طاول شخصيات دينية مسيحية، اشتعلت البلاد بالبيانات والتنديدات والاستنفارات. أما اليوم، حين يُهان تمثال السيدة العذراء على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي، فإنّ كثيرين يختبئون خلف صمت بارد يكاد يلامس التواطؤ الأخلاقي.

إنها مفارقة تكشف حجم الانقسام النفسي والسياسي الذي يضرب المجتمع اللبناني. فالغضب لم يعد مرتبطاً بحرمة المقدسات، بل بهوية الفاعل. إذا جاءت الإهانة من الداخل، تتحوّل إلى “قضية وجودية”، أما إذا جاءت من العدو الصهيوني، فإنّ البعض يتعامل معها كأنها حادث جانبي لا يستحق المواجهة، لأنّ أولويته لم تعد مواجهة العدو بل مواجهة المقاومة نفسها.

ومن منظور سوسيولوجي، فإنّ المجتمعات الواقعة تحت تأثير التبعية السياسية والإعلامية للخارج، تعيد تشكيل منظومتها الأخلاقية وفقاً لمصالح تلك القوى الخارجية. وهكذا يصبح الاحتلال أقلّ خطراً من الخصم الداخلي، وتصبح المقاومة ـ رغم كلّ ما قدّمته من تضحيات ـ الهدف الأول لحملات التحريض والتشويه. لكن الوقائع لا يمكن محوها، فالجنوب اللبناني الذي دُنّست فيه أيقونة السيدة العذراء، كما تمثال السيد المسيح، وهدمت فيه الأديرة والمدارس الرهبانية، هو نفسه الجنوب الذي حمى كنائسه وأديرته ووجوده المسيحي بدماء المقاومين. والمقاومة التي تُخاض ضدها اليوم حرب إعلامية وسياسية مفتوحة، هي نفسها التي وقفت في مراحل مفصلية دفاعاً عن قرى وكنائس ومقامات دينية في لبنان والشام، في وقت كانت الجماعات التكفيرية والمشاريع التفتيتية تهدد هوية المشرق كلها.

 

في هذا السياق، إنّ أخطر ما يصيب أيّ جماعة ليس الاعتداء الخارجي وحده، بل أن تفقد قدرتها على رؤية العدو الحقيقي. فالذي يدنّس تمثال السيدة العذراء، ويقصف القرى، ويقتل الأطفال، ويحتلّ الأرض، لن يكون يوماً حامياً للمسيحيين ولا شريكاً في حضارة هذه المنطقة. أما تحويل المسيحية المشرقية إلى أداة في معركة سياسية ضد المقاومة والسيادة، فهو انتحار أخلاقي وثقافي قبل أن يكون خطأ سياسياً.

في النتيجة، لقد بقيَت المسيحية في هذا الشرق لأنها ارتبطت بالأرض والناس والكرامة، لا بالقوة الغاشمة ولا بالمشاريع الاستعمارية. والمسيح الذي حمل الصليب في وجه الظلم، لا يمكن أن يكون في صفّ من يدنس المقدسات ويحتلّ الأرض ويحوّل الموت إلى عقيدة يومية.

وحين يصمت البعض عن إهانة السيدة العذراء لأنها جاءت من العدو، بينما يصرخون فقط حين تخدم الإهانة معركتهم الداخلية ضدّ المقاومة، فإننا لا نكون أمام دفاع عن المسيحية، بل أمام استخدام سياسي رخيص للمقدسات، يفرغها من معناها الروحي والإنساني والوطني.