Beirut weather 20.77 ° C
تاريخ النشر May 7, 2026
A A A
التصعيد في لبنان: معركة نتنياهو على حساب استقرار المنطقة
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

شكل التصعيد الإسرائيلي أمس على لبنان، ولا سيما استهدافه الضاحية الجنوبية لبيروت والإعلان عن استهداف قائد فرقة الرضوان، تحولًا جديًا في مسار العدوان، كونه يأتي بعد مرحلة من الترويج لالتزامات مزعومة بوقف إطلاق النار.

هذا التطور لا يمكن فصله عن مجموعة من المآزق الاستراتيجية التي تواجهها حكومة بنيامين نتنياهو، والتي تدفعها إلى انتهاج سياسة الهروب إلى الأمام عبر التصعيد العسكري.

الأول، يتمثل في المسار الإقليمي الذي تفرضه إيران، والذي يربط أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة بإدراج الملف اللبناني ضمن سلة التفاوض، وهذا ما أعلنه أمس رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أكد أنه تبلّغ من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن لبنان سيكون بندا أساسيا في أي اتفاق مع أميركا.

هذا الشرط يعكس فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة، سواء في ما يتعلق بإضعاف إيران أو كسر المقاومة في لبنان. كما يضع نتنياهو في موقع العاجز عن الإيفاء بوعوده للداخل الإسرائيلي، خصوصًا للمستوطنين في شمال فلسطين والذين لم ينعموا بالأمن والاستقرار رغم اتساع رقعة العدوان.

والثاني، فيبرز بوضوح في الجبهة الجنوبية للبنان، حيث لم تتمكن إسرائيل من تثبيت معادلة ميدانية توحي بتفوقها الحاسم. فرغم محاولات التوسع، لم تنجح في إنشاء نقاط ارتكاز ثابتة، في ظل تصاعد قدرات المقاومة، لا سيما عبر استخدام المسيّرات النوعية التي تشكّل عنصر استنزاف دائم في صفوف الجيش الإسرائيلي.

وتؤكد المعارك المستمرة في بنت جبيل والخيام والبياضة وغيرها من البلدات الجنوبية أن زمام المبادرة لا تزال في يد المقاومة التي تنفذ عمليات نوعية على مدار الساعة وتدفع الاحتلال إلى التكتم عن حجم خسائره البشرية والعسكرية، ما يعكس عمق الأزمة الميدانية التي يواجهها.

أما المأزق الثالث فيظهر في التحول النوعي داخل الموقف الرسمي اللبناني، حيث سقطت رهانات نتنياهو على استثمار أي صورة “نصر سياسي” عبر فرض مسار تفاوضي تحت الضغط ولقائه مع رئيس الجمهورية جوزيف عون في البيت الأبيض. فالتوافق اللبناني الداخلي الذي قاده الرئيس بري بات واضحًا لجهة رفض الدخول في أي مفاوضات قبل وقف العدوان، ما أسقطَ محاولةَ فرضِ معادلةٍ سياسيةٍ بالقوة، وأعاد تثبيت أولوية السيادة الوطنية في القرار اللبناني.

في هذا السياق، يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي كرسالة متعددة الاتجاهات. فهو من جهة يمثل محاولة لتعطيل أي تقارب محتمل بين إيران والولايات المتحدة قد يفضي إلى تفاهمات تشمل لبنان، ومن جهة أخرى يشكل ضغطًا مباشرًا على الدولة اللبنانية لدفعها نحو التفاوض تحت النار، بما يشبه فرض شروط الاستسلام. كما يأتي في إطار الرد على المواقف التي أكدتها إيران، ما يعكس خشية إسرائيل من خسارة القدرة على فرض وقائع أحادية.

ولا يمكن إغفال البعد المتعلق بقواعد الاشتباك، إذ تسعى إسرائيل إلى تكريس معادلة تتيح لها توسيع بنك أهدافها ليشمل الاغتيالات خارج نطاق الجنوب، في محاولة لتعديل ميزان القوى والردع. غير أن هذه المحاولات تبقى محفوفة بالمخاطر، نظرًا لاحتمال انزلاقها إلى مواجهة أوسع.

هذا الواقع، يضع الكرة في ملعب الولايات المتحدة، كونها الضامن المفترض للتفاهمات. غير أن السلوك الإسرائيلي يطرح تساؤلات جديّة: هل خرجت تل أبيب عن التزاماتها، أم أن التصعيد يتم بتنسيق ضمني مع واشنطن كما أعلنت هيئة البث الإسرائيلية؟

في كلا الحالتين، يبدو أن الضغط يُمارس بشكل مزدوج على لبنان لدفعه إلى التفاوض المباشر، ما يفرض إعادة تقييم لدور الوسيط الأميركي وتدخلاته المباشرة في الشؤون الداخلية اللبنانية عبر السفير ميشال عيسى.

يمكن القول، إن نتنياهو يجد نفسه أسير أزماته الداخلية، حيث باتت الحرب بالنسبة إليه ضرورة استراتيجية للبقاء على قيد الحياة السياسية.

وقد بات واضحًا أنه يسعى إلى تعطيل أي مسار تفاوضي قد يفرض عليه تقديم تنازلات، مستفيدًا من مناخ التصعيد لتأجيل استحقاقاته الداخلية، سواء على مستوى المعارضة التي تريد رأسه، أو الملفات القضائية، فضلا عن تحسين صورته قبل الانتخابات المقبلة.

وهكذا، يتحول العدوان المفتوح على لبنان إلى أداة في معركة بقاء شخصية لنتنياهو، ولو على حساب استقرار المنطقة بأسرها.