Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر May 4, 2026
A A A
فشل الحزام الأمني وسحب قوات النخبة الصهيونية وجرافات D9: حرب المقاومة الذكية…

 

كتب حسن حردان 

ما هي دلالات الأخبار المتواترة في الإعلام الإسرائيلي بأنّ “الجيش الإسرائيلي يسحب أثقل أوراقه من جنوب لبنان”. “المظليون” إلى غزة، “النحال” إلى الضفة، وقيادتا فرقتين تغادران الشمال! والتي أتبعت بإعلان سحب جرافات D9، بعدما باتت أهدافاً سهلة لمُسيّرات المقاومة، التي تمكنت من تدمير الكثير منها.

هل هي إعادة تموضع أم انسحاب تكتيكي؟

الحزام الأمني الذي أقيم في جنوب لبنان غير قادر على توفير حماية حقيقية للشمال. الجيش الإسرائيلي يعلن حالة طورائ في بنت جبيل والخيام وميس الجبل.

“القناة 13”: “الجيش أنهى مهامه في الشمال لكن لا أحد يعرف كيف تنتهي الحرب”.

هذه الأخبار المتواترة، وغيرها من الأخبار التي تتحدث عن المأزق الاستراتيجي لجيش الاحتلال وعداد القتلى والجرحى اليومي في صفوف جنود الاحتلال، تحمل دلالات استراتيجية وميدانية عميقة تشير إلى تحوّل جذري في مسار المواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال.. وتؤشر الى الدلالات التالية:

 

أولاً: الاجهاد العملياتي والبقاء المكلف وتبدّد صورة النصر،

يؤشر سحب وحدات النخبة في جيش الاحتلال، مثل “المظليين” و “الناحال” وتوجيهها إلى غزة والضفة، إلى استنزاف حادّ في القوة البشرية والقدرات القتالية. ولهذا فإنّ جيش العدو يجد نفسه مضطراً للمفاضلة بين الجبهات، مما يعني أنّ البقاء الطويل في جنوب لبنان أصبح مكلفاً جداً عسكرياً وسياسياً.

 

ثانياً: فشل الحزام الأمني،

اعتراف القناة الإسرائيلية 13 بأنّ “الحزام الأمني غير قادر على توفير حماية حقيقية” هو إقرار صريح بفشل الأهداف الاستراتيجية للعملية البرية. هذا يعني:

1 ـ أنّ عمق النيران لدى حزب الله لا يزال فعّالاً.

2 ـ أنّ السيطرة الجغرافية لم تمنع وصول المُسيّرات والصواريخ إلى المستوطنات الشمالية.

 

ثالثاً: جيش العدو في فخ الكمائن وحرب الاستنزاف،

الحديث عن “كمائن ناجحة” و”إحراق مدرعات” (كما ورد على موقع حدشوت بزمان الاسرائيلي) يدلّ على أنّ المقاومة انتقلت من مرحلة الصدّ إلى مرحلة الاستنزاف المنظم. التكتيكات التي تعتمدها المقاومة، والقائمة على استدراج قوات الاحتلال لنقاط قتل محدّدة، هو ما يفسّر ارتفاع أعداد القتلى والجرحى (36 جريحاً في يوم واحد).

 

رابعاً: التهديد التقني.. سلاح الفقراء الفتاك

الإشارة من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى امتلاك المقاومة آلاف المُسيّرات الرخيصة الثمن (بضع مئات من الدولارات) تعكس قلقاً من “عدم التكافؤ الاقتصادي والعسكري”. فـ “إسرائيل” تضطر لاستخدام صواريخ اعتراضية بمئات آلاف الدولارات لإسقاط مُسيّرة بسيطة، وتفشل كثيراً في ذلك، هي استراتيجية تؤدي إلى إنهاك منظومات الدفاع الجوي (القبة الحديدية وداوود) تقنياً ومادياً.

 

خامساً: تخبّط القيادة السياسية والعسكرية،

جملة “الجيش أنهى مهامه لكن لا أحد يعرف كيف تنتهي الحرب” هي بيت القصيد. هذا يعكس “الفراغ الاستراتيجي”؛ حيث أنّ الجيش الإسرائيلي قام بما يمكنه فعله عسكرياً، لكن القيادة السياسية عاجزة عن تحويل هذه النتائج إلى واقع أمني يسمح بعودة المستوطنين الى مستوطناتهم، مما يضع “إسرائيل” في حالة “اللا حرب واللا سلم” المستنزفة.

انطلاقاً مما تقدّم:

 

نحن أمام حالة “انسحاب تحت النار” أو إعادة تموضع اضطرارية يقوم بها جيش الاحتلال لإعادة ترتيب الأولويات. الأمر الذي يعني انّ المقاومة نجحت، في وقت قصير، بفرض الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: انّ الميدان في جنوب لبنان أصبح “ثقباً أسود” يبتلع قوات النخبة الصهيونية دون تحقيق أمن مستدام.. وما إعلان جيش الاحتلال حالة الطوارئ في مناطق مثل (بنت جبيل، الخيام، ميس الجبل) تزامناً مع انسحاب بعض وحداته، إلا محاولة لتغطية الانسحاب بضربات نارية مكثفة أو خوفاً من هجمات معاكسة واسعة النطاق خلال عملية الانسحاب.

الحقيقة الثانية: انّ المقاومة لا تزال تمتلك زمام المبادرة في حرب العصابات والكمائن.

الحقيقة الثالثة: انّ الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تعد تثق بوعود القيادة الإسرائيلية حول “تدمير قدرات حزب الله” أو “العودة الآمنة” الى مستوطنات الشمال.

من هنا فإنّ المشهد في جنوب لبنان يتجه نحو “حرب استنزاف ذكية” تعتمد على التكنولوجيا الرخيصة (المُسيّرات) والكمائن النوعية، والصواريخ الموجهة، مع تراجع في قدرة جيش العدو على الحفاظ على احتلال ثابت للأرض. وقد يكون الصيف المقبل حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه الانسحابات هي مقدمة للبحث عن اتفاق سياسي شامل، أم مجرد استراحة وإعادة النظر في الخطط العسكرية، قبل قيام جبش الاحتلال بشنّ هجمات أوسع وأكثر تدميراً.. خصوصاً أنه بدأ تنفيذ خطة توسيع عدوانه ليشمل إفراغ وتدمير القرى شمال نهر الليطاني، بذريعة ضرب بنية المقاومة التي يجري فيها تصنيع وتشغيل المُسيّرات الذكية التي تضرب بفعالية مراكز تجمع جنود العدو ومواقع مدفعيتهم وآلياتهم، وتحوّلهم الى “عصف مأكول”.