Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر May 3, 2026
A A A
البطريرك الرَّاعي يطلق صرخة إِنقاذٍ وطنيّ من بازيليك سيِّدة لبنان في حريصا

 

في الأحد الأوّل من شهر أيّار 2026، عيد سيدة لبنان، ومن على مذبح بازيليك سيدة لبنان في حريصا، حيث يلتقي التاريخ بالإيمان، والتقليد بالرجاء، ترأس البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي القداس الإلهي، وفق التقليد السنوي الذي يعود إلى تأسيس هذا المزار، حيث يفتتح البطريرك الماروني الشهر المريمي بالصلاة والبركة.

بعد إعلان الإنجيل المقدس، ارتفعت عظة البطريرك الراعي، لا ككلمة عابرة، بل كمسار لاهوتي متكامل، بدأ من نشيد مريم، وامتدّ إلى عمق الواقع اللبناني، ليعود في النهاية إلى أفق الرجاء.
تحدث عن وطن يعيش بين القلق والانتظار، بين حرب مفروضة ومرفوضة، وهدم وتهجير وقتل، في حالة معلّقة تستنزف الإنسان والدولة معًا. وأشار إلى أن الأخطر من كل ذلك هو ما يحدث في الداخل: انقسامات، توترات، حساسية مفرطة، حتى بات اللبناني عاجزًا عن تحمّل أخيه، وباتت كلمة واحدة كفيلة بأن تكسر ما تبقى من ثقة. ولم يغفل عن التوقف عند ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن ما نشهده ليس حرية رأي، بل انحدار في اللغة والقيم، واستباحة للكرامات، مؤكدًا أن لبنان أكبر من مهاترات عابرة، وأن ما يُبنى على المحبة لا تهدمه أصوات التجريح، وما يتأسس على الكرامة يبقى، أما ما يُبنى على الباطل فسرعان ما يتداعى.
لكن هذا التشخيص لم يكن خاتمة، بل كان معبرًا نحو الرجاء. إذ عاد البطريرك إلى مريم، وطرح السؤال الإيماني: إذا كان الله قد صنع العظائم فيها، أفلا يستطيع أن يصنعها في لبنان؟ وهنا ارتفعت العظة إلى أفق لاهوتي عميق، حيث التاريخ ليس مسارًا أعمى، بل طريق تقوده العناية الإلهية. فذكّر بتاريخ لبنان، بتاريخ سقوطه وقيامته، بمرات بدا فيها على شفير الهاوية، ثم عاد فنهض، لأن يد الله لم تتركه يومًا.
وفي ذروة كلمته، تحوّلت العظة إلى صلاة، إلى صرخة قلب جماعية: “كفانا قلقًا… كفانا حيرة… كفانا انتظارًا بلا نهاية”، نداء موجّه إلى مريم، أم هذا الوطن، لكي تكون في قلب هذا الليل الطويل، في قراراته، في مستقبله، في حياة أبنائه. صلاة تعبّر عن ألم، لكنها أيضًا تعلن إيمانًا، لأن من يصلّي لا يزال يؤمن، ومن يؤمن لا يسقط في اليأس.
وختم البطريرك الراعي بدعاء عميق، طالبًا شفاعة سيدة لبنان لحماية الوطن وتثبيت أبنائه وإنارة طريقه، مؤكدًا أن اللبنانيين، رغم كل شيء، لا يزالون يؤمنون، ويرجون، وينتظرون فجرًا جديدًا، فجرًا يولد من صبرهم وتعبهم وإيمانهم بأن الله، الذي صنع العظائم، لا يزال قادرًا أن يصنعها من جديد في هذا الوطن.
واختُتم القداس بزياح مهيب لأيقونة العذراء مريم، في مشهد إيماني جامع.