Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر April 30, 2026
A A A
غضب أوروبي على ترامب: حربُك «العشوائية» تهدّدنا
الكاتب: سعيد محمد

كتب سعيد محمد في الأخبار 

تمرّ العلاقات عبر الأطلسي بمرحلة من الاهتزاز غير المسبوق، بعدما فرض العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، واقعاً اقتصادياً وسياسياً يختبر متانة التحالفات التقليدية. ويواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً داخلية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ النمو، وتآكل الثقة في الحكومات، في ما يفرض إعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية لدول القارّة، وسط شكوك متزايدة في التزام الولايات المتحدة تجاه أمن شركائها.

وتسيطر، منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، لحظةَ إطلاق العدوان على إيران، حالٌ من الركود التضخمي على المشهدَين الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا. إذ تصاعدت أسعار الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري، وهو ما وضع حكومات القارّة في مأزق مالي حادّ – في وقت ترزح فيه ميزانياتها العامة تحت ضغط الديون المتراكمة منذ أزمة جائحة «كورونا» -، ودفَعها إلى تبنّي سياسات تقشفية صارمة. إلا أن جهود المفوضية الأوروبية بقيت، حتى الآن، في نطاق إجراءات محدّدة ومؤقتة، غير كافية للتعامل مع أزمة هيكلية بهذا الحجم.

 

وتفاقمت الأوضاع في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وهي القوى الاقتصادية الأكبر في الاتحاد الأوروبي، إلى درجة تنذر بتوسّع نطاق التململ الشعبي. وفي الوقت نفسه، تقاطعت توقّعات خبراء الاقتصاد عند انخفاض مستمرّ في معدلات النمو، وتعاظم التحديات في قطاعات الغذاء والنقل والإسكان على نحو قد يدفع الطبقات الوسطى والفقيرة نحو تبنّي مواقف سياسية أكثر تشدداً، ويثير مخاوف جدية لدى الحكومات الليبرالية الوسطية عبر القارة. إذ تفتح هذه الأزمات المتصاعدة المجال أمام القوى الشعبوية لتحقيق مكاسب انتخابية، وتوجيه السخط الشعبي من الضغوط الاقتصادية تجاه الحكومات القائمة.

وتفجّرت هذه المخاوف، علناً، الأسبوع الجاري، على شكل جدال بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الأميركي دونالد ترامب. إذ ألقى ميرتس باللوم على السياسات الأميركية في تفاقم الأزمات الاقتصادية في ألمانيا، معتبراً أن فشل المفاوضات مع إيران تهديد للمصالح الغربية. وقال ميرتس إن الولايات المتحدة تعرضت لـ«إهانة» من قِبل النظام الإيراني، وتفتقر إلى استراتيجية لإنهاء الحرب، كما تركت محادثاتِ السلام خالية الوفاض، مما تسبّب ولا يزال في أضرار اقتصادية كبيرة على مستوى العالم، نظراً إلى الارتفاع المتزايد في أسعار الطاقة. وأشار إلى أن «هذا يكلّفنا الكثير من المال – الكثير من أموال دافعي الضرائب – ويكلّفنا الكثير من القوة الاقتصادية»، مضيفاً أن «هذه الحرب ضدّ إيران لها تأثير مباشر على أدائنا الاقتصادي، ولهذا السبب يجب إنهاؤها في أقرب وقت ممكن».

وسارع ترامب إلى الردّ بشن هجوم حادّ – عبر منصة «تروث سوشال» – على قيادة ميرتس، مشككاً في قدرات المستشار الألماني على فهم تعقيدات الملف النووي الإيراني. وكتب: «هو لا يعرف عما يتحدث. لو كان لدى إيران سلاح نووي، لكان العالم كلّه محتجزاً كرهينة. أنا أفعل شيئاً مع إيران الآن، كان يجب على دول أخرى، أو رؤساء آخرين، أن يفعلوه منذ زمن بعيد. لا عجب أن ألمانيا تسير بشكل سيئ جداً، اقتصادياً وغير ذلك!».

 

تفتقر الدول الأوروبية إلى هيكلية قيادية موحدة، وتتباين مصالحها الاستراتيجية وتقييماتها للتهديدات الأمنية

 

 

واعتبر المراقبون هذا التراشق اللفظي انعكاساً لانسداد قنوات الاتصال بين برلين وواشنطن، وعمق الفجوة في الرؤية الاستراتيجية تجاه إيران بين الجانبين. ويجد المستشار الألماني نفسه في وضع سياسي هشّ؛ إذ تتراجع شعبية ائتلافه الحاكم إلى أقلّ من 15 بالمائة وفق أحدث استطلاعات الرأي، وهو مستوى تدنٍّ قياسي بعد عام واحد في السلطة، بينما يتكرّس حضور «حزب البديل من أجل ألمانيا» – أقصى اليمين – في المشهد السياسي في البلاد، حيث يُتوقّع أن يحقق مكاسب إضافية في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت في أيلول/ سبتمبر المقبل، وذلك بعدما اخترق بالفعل أجزاءً من الغرب بعيداً من قاعدته التقليدية في شرق ألمانيا.

ويخشى مراقبون أن تضرب موجة السخط تلك بقوة في فرنسا أيضاً، خلال الاستحقاق الرئاسي العام المقبل، فتدفع «حزب التجمع الوطني» – أقصى اليمين – إلى قصر الإليزيه. وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أثينا الجمعة الماضي، في أثناء محادثاته مع رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، بعد قمة الاتحاد الأوروبي: «لا ينبغي أن نقلّل من شأن هذه اللحظة الفريدة حيث يكون رئيس الولايات المتحدة، ورئيس روسيا، والرئيس الصيني في مواجهة الأوروبيين»، مضيفاً: «هذه هي اللحظة المناسبة لنستيقظ».

أما بريطانياً، فعوّلت لندن كثيراً على الزيارة التي يقوم بها الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة لترميم العلاقات بين البلدين، بعدما تباعدت مواقفهما تجاه العدوان على إيران، لا سيما مع امتناع حكومة كير ستارمر عن الانخراط في المجهود العسكري الأميركي مباشرة. لكن صحيفة «فاينانشال تايمز» اللندنية النافذة نشرت على صدر صفحتها الأولى أمس، تصريحات للسفير البريطاني لدى واشنطن، كريستيان تيرنر، أثارت من فورها جدلاً واسعاً حول طبيعة التحالفات الغربية في عهد ترامب. إذ عبّر تيرنر – في نقاشات يُفترض أنها غير رسمية وغير معَدّة للنشر – عن قناعته بأن الولايات المتحدة تولي أهمية استثنائية لعلاقتها مع إسرائيل فحسب، وتعتبرها الشراكة الوحيدة التي تستحق وصف «العلاقة الخاصة». واعتبر السفير أن هذا الواقع يفرض على بريطانيا وبقية دول أوروبا السعي إلى بناء استراتيجيات أمنية مستقلّة، بعيداً عن الاعتماد الكلّي على المظلّة الأمنية الأميركية.

 

وكانت تقارير صحافية أشارت إلى أن الولايات المتحدة في صدد اتخاذ إجراءات ضدّ حلفاء «الناتو» الذين رفضوا دعم قرار ترامب الدخول في حرب مع إيران. ووفقاً للتقارير، فإن الخيارات تشمل تعليق عضوية إسبانيا في التحالف، وإعادة النظر في تأييد سيادة المملكة المتحدة على جزر فوكلاند (المالفيناس) الأرجنتينية. ومن شأن هذه المواقف والتصريحات أن تعزّز قناعة متزايدة في أروقة الدبلوماسية الأوروبية بأن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها العالمية بناءً على مصالح جيوسياسية تبتعد عن الاهتمامات التقليدية لأوروبا، الأمر الذي يضطر معه القادة الأوروبيون إلى التفكير في بدائل أمنية، بما في ذلك تفعيل المادة 42.7 من «معاهدة لشبونة»، والتي تُلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة العسكرية المتبادلة في حال تعرّض أيّ منها لهجوم. ورغم التحديات العملية والقانونية التي تعترض هذا التوجه، إلا أن النقاشات تدور بجدية حول كيفية بناء ركيزة أوروبية أقوى داخل «حلف شمال الأطلسي»، قادرة على العمل بشكل مستقلّ عن الولايات المتحدة عند الضرورة.

 

وكان تهديد ترامب بالانسحاب من حلف «الناتو» قد أطلق قلقاً وجودياً في العواصم الأوروبية، ودفَع حكوماتها إلى دراسة سيناريوات للدفاع الجماعي عن القارة، من دون انتظار مظلّة الحماية الأميركية التي استمرّت فاعلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945). وتعتبر بريطانيا وفرنسا قطبَي هذه الجهود الجديدة، بحكم أنهما قوتان نوويتان وتتوفران على قاعدة تصنيع عسكري متقدّم. كما أن ألمانيا رصدت مبالغ طائلة لإعادة بناء قوتها العسكرية الهجومية بعد ثمانين عاماً من تبنّي عقيدة حفظ الأمن الداخلي، وترك مسألة مواجهة التهديدات الخارجية للجيش الأميركي.

ومع ذلك، تواجه هذه المشاريع عقبات كبيرة؛ إذ تفتقر الدول الأوروبية إلى هيكلية قيادية موحدة، وتتباين مصالحها الاستراتيجية وتقييماتها للتهديدات الأمنية، ما يجعل التنسيق الدفاعي بينها مهمّة بالغة الصعوبة. ويرى المحللون أن الاعتماد المفرط على الهياكل البيروقراطية للاتحاد الأوروبي سيمثّل دائماً حجر عثرة أمام سرعة الاستجابة للتهديدات الأمنية. ولذلك، يبقى «تحالف الراغبين» خياراً أكثر مرونة، حيث يسعى ثلاثيّ باريس – لندن – برلين إلى تشكيل نواة صلبة للدفاع الأوروبي، بعيداً عن تعقيدات الإجماع الكامل التي تتطلّبها قرارات الاتحاد.