Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر April 30, 2026
A A A
الجنرال وقت
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– يكرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن الرهان على الوقت، معتبراً أن وقته معه، وأن الإيرانيين ينهارون تحت ضغط الأزمات وأن الوقت لا يُسعفهم، فيدعوهم إلى الإسراع بالاستسلام؛ ولأن الحرب بدأت بمبادرة أميركية إسرائيلية لتحقيق أهداف معلنة، فإن لجوء صاحب الحرب إلى صرف النظر عن مواصلتها رغم تهديده المتلاحق لخمس مرات بتدمير منشآت الطاقة والجسور والإنزال البري على الجزر أو الدخول إلى مضيق هرمز للسيطرة عليه، يبدو أن مديحه المتكرر لخيار الحصار والرهان على الوقت اعتراف ضمني بلا جدوى الذهاب إلى مواصلة العمل العسكري، الذي ثبتت لا جدواه في تحقيق الهدف الأعلى وهو إسقاط النظام، أو الهدف الأدنى وهو الاستسلام، رغم تكرار ترامب للحديث عن إنجازات تدمير القوة الجوية والبحرية لإيران.

 

– من الجانب الإيراني كانت الحرب دفاعية لصدّ الحرب الأميركية الإسرائيلية، واتسم الأداء العسكري الإيراني بالفعالية والتخطيط والمهارة، دون روح الاستعراض التي تفوح رائحتها من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى ضاع عليه مثلاً أنه قال إن قواته دمرت 92% من الصواريخ الإيرانية في أول الحرب وقال في آخرها إن قواته دمرت 80%، وقد ظهر كم استعدت إيران للحظة الحرب، سواء من خلال ما فعلته في استهداف المنشآت الحيوية والحساسة في “إسرائيل”، واستهداف البنى التحتية الأميركية إضافة للقواعد العسكرية في دول الخليج وعدد من منشآت الطاقة، استكمالاً لما أرادته من خلال السيطرة على مضيق هرمز والإمساك بخناق النظام الاقتصادي العالمي، بحيث كان الصمود الإيراني وحجم ما حققته في الدفاع كافياً لصرف النظر أميركياً عن مواصلة الحرب، خصوصاً مع الالتباسات المحيطة بمدى توافر الذخائر اللازمة لجولة حرب جديدة.

 

– إيران لم تقل إنها لن تكون مبادرة لشن جولة حرب جديدة، ولكن من نوع مختلف وهذا احتمال يبقى قائماً، سواء عبر استهداف الحاملات والمدمّرات بوسائل تمتلكها إيران، أو عبر تصعيد حلفائها في محور المقاومة لمستوى مشاركتهم في الحرب؛ من إغلاق مضيق باب المندب إلى استهداف الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، من العراق ولبنان، وصولاً إلى استخدام المقاومة في لبنان لطاقتها القصوى في استهداف عمق كيان الاحتلال أو في تهديد أمن مستوطنات الشمال بعمل بري أو صاروخي، لكن هذا الخيار يستدعي أحد سببين: إما بلوغ إيران مرحلة عدم القدرة على احتمال الحصار كما يفترض الأميركيون، أو انسداد المسار التفاوضي إلى حيث يجب أن يقول الميدان كلمة فاصلة، وهذا ما لا يبدو قائماً، حيث تؤكد طهران أنها واثقة من قدرتها على حسن استخدام “الجنرال وقت”، سواء لجهة قدرتها على التحمل طويلاً، أو لجهة ثقته بأن تداعيات الانسداد السياسي على القدرة الأميركية على التحمل تُقاس بالأسابيع لا بالشهور.

 

– تردّ طهران على كل المعطيات التي يوردها المسؤولون الأميركيون حول فعالية الحصار المفروض على إيران بدفعها إلى الانهيار الوشيك، فتؤكد أولاً أن تصديرها للنفط تأثر بصورة محدودة بالحصار وأن قدرتها على التصدير واختراق الحصار لا تزال فعالة، وتقول ثانياً إن قدرة التخزين الإيرانية وقدرة التكرير ورفعها لصالح السوق الداخلي واستهلاك المحروقات وبيع المشتقات براً كافية لعدم وقوع أزمة مفترضة على مستوى تشغيل آبار النفط، وثالثاً إن إيران لديها درجة عالية من الاكتفاء الذاتي الاستهلاكي خصوصاً الغذائي، وإن طرقها البرية للاستيراد سالكة وآمنة عبر المنفذين الباكستاني والتركي، وبحراً يعوّض بحر قزوين الكثير من المستوردات من الصين والهند، ويقول الإيرانيون رابعاً إن حدود التقشف أو التضحية التي يجب على الشعب الإيراني تحمّلها للصمود لا تُقاس بحجم نظرة الشعب الإيراني للطابع الوجودي للحرب التي تطوّع الملايين لخوضها وبذل الدماء فيها، ويعلق أحد المسؤولين الإيرانيين على سؤال الصمود والاستسلام، أن غباء الأميركيين أنهم لم ينتبهوا أن غزة قدّمت مئة ألف شهيد وحاصرها الجوع والمرض وفقد الشعب مساكنه كلها ولم تستسلم، فكيف يتوقعون أن تستسلم إيران بسبب حصار يمثل رفاهية بالمقارنة مع غزة؟

 

– النظرة الإيرانية لعامل الوقت وتأثيره على القرار الأميركي تقوم على عامل حاسم هو تفاعل السوق النفطية مع الانسداد السياسي وتوقف تدفق النفط والغاز عبر الخليج، وقد ارتفع السعر خلال الحرب 100% وسوف يرتفع أكثر، ومع هذه الارتفاعات أفلست 15000 شركة وفقاً لصندوق النقد الدولي والعدد يزداد يومياً، واضطربت البورصات وسوف يزداد اضطرابها، وبدأت ضغوط كل ذلك تظهر في التعليقات السياسية والإعلامية الداخلية في أميركا وصولاً إلى مخاطر خسارة ترامب التصويت في الكونغرس حول الحرب، مع انتهاء مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في قانون الحرب، وترجيح خسارة الانتخابات النصفية التي تقترب.

 

– يقدم الإيرانيون مثالاً على قولهم إن كل كلام ترامب هو بروباغندا مبنية على وهم القدرة على تغيير المعادلات بمجرد الحديث عن تغييرها، فيقولون: من يصدق كلام ترامب ويتخيل احتمال أن يكون قد تلقى اتصالاً إيرانياً يقول “نحن ننهار ونريد الاتفاق”، لأن المنطقي إن كانت إيران تنهار هو أن تقدم مقترحاً يلبي طلبات ترامب بدل القول له نحن ننهار، وإن قال له أحد نحن ننهار فماذا ينتظر لبدء الهجوم وإعلان الانتصار؟