Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر April 29, 2026
A A A
القطاع الصحّي بين الصمود والخسائر… إستنزاف لمنظومة الرعاية الطبيّة
الكاتب: ربى أبو فاضل - الديار

في بلد كان يلقب يوما بـ”مستشفى الشرق”، لم تعد المستشفيات ملاذا آمنا، بل تحولت إلى نقاط اشتباك تقصف أحيانا وتستنزف دائما. وبين مستشفيات مدمرة ، وكوادر طبية مستهدفة، ونقص في التمويل والإمدادات، يقف القطاع الصحي في لبنان على خط النار في مواجهة عدوان إسرائيلي ممنهج، متأرجحا بين صمود هش وخسائر متفاقمة، تنذر بانهيار وشيك ، فيما يجد الأطباء أنفسهم أمام معادلة قاسية، إنقاذ الأرواح تحت تهديد فقدان حياتهم.

في سياق الحرب المستمرة منذ آذار 2026، يواجه القطاع الصحي في لبنان انهيارا متسارعا تعكسه أرقام صادمة، إذ تشير بيانات وزارة الصحة إلى أكثر من 2,500 ضحية و7,800 جريح، إضافة إلى نزوح يفوق المليون شخص خلال فترة قصيرة، ما ضاعف الضغط على النظام الصحي.

الخسائر بالأرقام

وتفيد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية و”اليونيسف” وشركاء الأمم المتحدة أن عام 2026 ، شهد تسجيل أكثر من 130 هجوما على مرافق صحية خلال أسابيع، إلى جانب استهداف أكثر من 60 سيارة إسعاف، كما تم توثيق 64 هجوما مباشرا على المنشآت، أودى بحياة 53 عاملا صحيا، وأصابة 91 آخرين، بالتوازي مع سقوط نحو 100 من الطواقم الطبية و233 جريحا أثناء أداء مهامهم، وخروج 6 مستشفيات عن الخدمة وتضرر 15 أخرى، وإقفال أو تعطيل 51 مركز رعاية أولية. هذه الخسائر لا تعكس فقط حجم الضحايا، بل تكشف تفككا تدريجيا وخطيرا في منظومة الرعاية الصحية، وانهيار قدرتها على الاستجابة.

يقول طبيب طوارئ في أحد المستشفيات طلب عدم ذكر اسمه: “كثير من الحالات التي كان يمكن إنقاذها تموت، لأن سيارات الإسعاف تتأخر أو لا تستطيع الوصول بسبب القصف أو إغلاق الطرق”، مضيفا “في بعض الأيام نعمل دون الحد الأدنى من المستلزمات، ونضطر لاتخاذ قرارات قاسية حول من يمكن إنقاذه أولا، وهذا بحد ذاته عبء لا يوصف”.

القانون الدولي الإنساني

يذكر ان القانون الدولي الإنساني، ولاسيما اتفاقيات جنيف، ينص على حماية الجرحى والمرضى وضمان وصول فرق الإسعاف بدون عوائق، وتحييد المرافق الطبية عن أي استهداف خلال النزاعات، غير أن الوقائع في لبنان عام 2026 تشير إلى نمط مغاير، يتجلى في حالات تعرقل فيها وصول الطواقم الطبية إلى الجرحى، ومن بين هذه الوقائع ما حدث مع الصحافية الشهيدة أمال خليل، التي أُصيبت خلال تغطيتها الميدانية ،وبقيت على قيد الحياة في اللحظات الأولى، فيما كان الإسعاف قريبا من موقعها ، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها في الوقت المناسب، ما يعكس أثر التأخير في عمليات الإنقاذ تحت ظروف ميدانية معقدة.

وفي هذا السياق، لا تعود قصة أمال مجرد حادثة إنسانية معزولة، بل تتحول إلى ملف قانوني مفتوح، يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بالقواعد الدولية، وآليات تطبيقها على أرض الواقع.

إبادة صحية

واستنادا إلى المعايير التي يكرسها القانون الدولي الإنساني، فإن تكرار هذا النمط من الانتهاكات قد يندرج ضمن فئة الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، وقد يرتقي في حال ثبوت طابعه المنهجي، أو توافر القصد إلى مستوى جرائم حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في ما يتعلق باستهداف المدنيين والمنشآت الطبية أو تنفيذ هجمات غير متناسبة أو عشوائية.

وفي هذا الإطار، يستخدم بعض الباحثين في القانون الدولي الإنساني مصطلح “الإبادة الصحية” لوصف حالات تفكيك النظام الصحي بشكل ممنهج، بما يؤدي إلى حرمان جماعي من الرعاية الطبية الأساسية.

ما يجري اليوم لا يقرأ كأزمة صحية عابرة، بل كمسار استنزاف طويل لمنظومة الرعاية الطبية . وهنا لم يعد السؤال حول قدرة النظام الصحي على الصمود، بل حول حدود استمرار وظيفته الأساسية في معالجة المرضى وإنقاذ الجرحى، في بيئة تتآكل فيها شروط الإنقاذ نفسها قبل المرضى أنفسهم.