Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر April 29, 2026
A A A
التوقيت الإيراني
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

أصيب الذين يتابعون يوميات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بالمفاجأة عندما قرأوا تفاصيل المقترح الإيراني لإنهاء النزاع بين طهران وواشنطن؛ حيث يظهر مضمون المقترح أنه إعادة تبويب للمصالح الإيرانية وليس مشروعاً لحلٍ في منتصف الطريق يلاقي المطالب والشروط الأميركية، إذ يجعل المقترح الأولوية لإنهاء الحرب في إيران ولبنان ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية كمرحلة أولى، تليها مرحلة التفاوض حول وضع مضيق هرمز وإدارته، ثم مرحلة ثالثة موضوعها الملف النووي، دون أي إشارة إلى طلبات أميركية تتصل بتفكيك أو تحجيم البرنامج الصاروخي أو ما يتعلق بعلاقة إيران بقوى المقاومة. وعلق كثيرون على المقترح بالقول إنه مقترح وُضع كي يُرفض لا كي يفتح باب التفاوض، إذ يستحيل توقع أن يقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته بهذا المقترح الذي يقترب من كونه انتصاراً إيرانياً كاملاً، خصوصاً بعدما مهدت إيران مع كل من عُمان باتفاقات تطال مضيق هرمز، ومع روسيا باتفاقات تطال الملف النووي.

المفاجأة الأكبر أصابت هؤلاء المتابعين عندما لم يخرج رد فعل سلبي على المقترح الإيراني من واشنطن، كما توقعوا، بل ساد التريث في البيت الأبيض ولم يخرج أي تعليق واضح حول المقترح، ولفت الانتباه انعقاد اجتماعات تشاورية عالية المستوى في البيت الأبيض لإعداد الرد الأميركي. وذهبت بعض التحليلات إلى التساؤل عما إذا كان هناك مقترح آخر هو الذي يجري الحديث عنه وليس المقترح المتداول، حتى قامت وكالات أنباء أميركية بنقل المحتوى ذاته للمقترح الإيراني على ألسنة مسؤولين أميركيين، بينما تحدث محللون آخرون عن فرضيات مثل احتمال تبلُّغ إدارة ترامب بعزم إيران وحلفائها – في حال رُفض المقترح – على إغلاق مضيق باب المندب، بينما تحدث آخرون عن بدء ظهور علامات تحرك صيني روسي بنبرة عالية للضغط باتجاه وقف الحرب.

أجواء الخبراء في واشنطن لا تنفي الفرضيات التي يتوقف أمامها بعض المحللين، لكنهم يؤكدون أن أسباب تريث البيت الأبيض والرئيس ترامب شخصياً في إصدار أي تعليق أو موقف حاسم تجاه المقترح الإيراني، قبولاً أو رفضاً أو طلباً للبحث بتعديل بعض النقاط عبر الوسطاء، تعود إلى انشغال الرئيس ترامب وإدارته بمناقشة كيفية التعامل مع نهاية مهلة الستين يوماً التي تنتهي مع نهاية الأسبوع، والتي يحددها قانون الحرب وتلزم الرئيس بالتقدم بطلب ترخيص للذهاب للحرب إذا أراد مواصلة الحرب (التي يسميها “عملية عسكرية” حتى الآن للتملص من الطلب). ويقدم له التغطية لذلك وجود أغلبية جمهورية تحكم قرار الكونغرس، وهذه الغالبية معرضة للتفكك مع انتهاء مهلة الستين يوماً، بعدما أعلن خمسة أعضاء جمهوريين أنهم سوف يصوتون مع إلزام الرئيس بالتقدم بطلب ترخيص من الكونغرس للذهاب إلى الحرب عند نهاية مهلة الستين يوماً، وأنهم كانوا يصوتون مع الإجماع الجمهوري على قاعدة دعم الرئيس وصلاحياته في العمل العسكري قبل بلوغ اليوم الستين. والشيوخ الخمسة سبق وصوّتوا ضد قرار الحرب في حالة فنزويلا مطلع العام، لكن اثنين منهم تراجعا بضغط من ترامب وقيادة الحزب تحت شعار أن العملية انتهت وليست حرباً، وترتب على تراجع العضوين بقاء الغالبية الجمهورية المساندة لترامب. أما إذا تماسك تصويت الأعضاء الخمسة مع نهاية الستين يوماً، وربما زيادة العدد إلى 22 كما يتوقع الديمقراطيون، حيث تتجمع في الكونغرس بحزبيه كل الضغوط الناجمة عن إقفال مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي وفي المجتمع الأميركي بتأثير ارتفاع أسعار الوقود، إضافة إلى رفض الرأي العام الأميركي لمواصلة الحرب، فسوف يفقد ترامب الغالبية. وإن فقد ترامب غالبية الكونغرس للتملص من مهلة الستين يوماً، فسوف يكون ملزماً بطلب الترخيص المستحيل أن يحصل عليه بسبب الحاجة إلى ثلثي الكونغرس، وإلا فعليه أن يقول مع مهلة الستين يوماً إن الحرب في طريقها للنهاية وإنه يحتاج إلى مهلة الثلاثين يوماً المنصوص عليها في القانون لسحب القوات وإعادتها.

التوقيت الإيراني للمقترح مبنيّ، وفق المشهد في واشنطن، على تقديم مخرج مناسب لترامب للقول إن الحرب في طريقها للنهاية وإنه يتجه لسحب القوات وإعادتها ضمن مهلة الثلاثين يوماً المنصوص عليها في قانون الحرب، باعتبار المرحلة الأولى التي يتحدث عنها المقترح اسمها “انتهاء الحرب وعودة القوات وفك الحصار”، وبالمقابل الاستعداد للتفاوض بصورة إيجابية للتوصل إلى حل حول مضيق هرمز يحقق لإيران الاعتراف بدور سيادي لها في المضيق مقابل صيغة قابلة للتسويق لإدارة عمانية إيرانية للعبور. وربما تكون المفاوضات الضمنية وراء الكواليس جارية حول هذه الصيغة، بينما يجري تفاوض موازٍ حول الخطوط العريضة للحل الممكن التوصل إليه في الملف النووي. وخلال هذا الوقت يضع ترامب ثقله للتملص من مهلة الستين يوماً والضغط على أعضاء الكونغرس؛ فإذا نجح تملص من المقترح الإيراني، وإذا فشل في التملص من مهلة الستين يوماً قبِل بالمقترح وبدأ بإجراءات إنهاء الحرب.

التوقيت الإيراني هو سر المقترح الجديد، وهو توقيت أميركي.