Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر April 29, 2026
A A A
إضراب «الإدارة العامة»: بداية تصعيد مفتوح
الكاتب: زينب بزي

كتبت زينب بزي في “الأخبار”:

لم يعد ممكناً التعامل مع ملف رواتب القطاع العام بوصفه تأجيلاً تقنياً أو تفصيلاً مالياً. ما جرى منذ قرار 16 شباط 2026 المتعلّق بفرض ضريبة على البنزين بحجّة منح موظفي القطاع العام ستة رواتب أساس إضافية، يوضح زيف كل الادّعاءات الرسمية برغبة السلطة في «إصلاح» القطاع العام. فالوعود التي قُطعت لهؤلاء، عُلّقت من دون سابق إنذار وبتبرير يتعلق بـ«التوقيت الخاطئ». والنتيجة، أن الموظفين لم يحصلوا على شيء. لكن رابطة موظفي الإدارة العامة ترى أن التوقيت مناسب لمواجهة السلطة بإضراب تحذيري ليومي 29 و30 نيسان.

منذ البداية، رُبطت زيادة الرواتب بسلّة تمويل أبرزها كان زيادة 320 ألف ليرة على صفيحة البنزين، رفع الـTVA إلى 12%، رسوم على الحاويات، وتحسين الجباية. عملياً، جرى تطبيق الجزء الأسهل من الخطّة وفُرضت ضريبة فورية على استهلاك البنزين، بينما كان معلوماً لدى السلطة أنّ زيادة ضريبة القيمة المضافة يتطلّب إقرار قانون في مجلس النواب لا يتوافر حوله إجماع من ممثّلي السلطة في المجلس. لذلك فإن الربط بين إقرار الضريبتين كشرط لتسديد الزيادات للموظفين، كان خدعة برّرت للسلطة جمع 35 مليون دولار شهرياً من الضريبة وتأجيل التسديد، ثم جاءت الحرب كظرف مثالي لذريعة إضافية عبّر عنها وزير المال ياسين جابر بالقول: «لست على استعداد لتكرار الأخطاء السابقة».

هذا الاعتراف كان كفيلاً بإعلان هذه الخطوات التصعيدية. فقد أعلنت رابطة موظفي الإدارة العامة أنها لن توافق على محاولة لإعادة تثبيت الوقائع المالية التي بنت عليها الحكومة قراراتها نفسها. ويشير بيان صادر عن الرابطة، إلى أنّ التراجع عن دفع الزيادة، لا ينسجم مع ما أعلنته وزارة المال، سواء لجهة رصد الاعتمادات في موازنة 2026 أو لجهة الحديث عن وفر مالي مع نهاية 2025 وبداية 2026، فضلاً عن تسجيل فائض في الإيرادات والسيولة خلال السنوات الثلاث الماضية. ويلفت البيان إلى أنّ الحكومة، في المقابل، لم تتأخّر في فرض الضرائب التي قيل إنها مُخصّصة لتمويل الزيادة، وفي مقدّمها ضريبة البنزين، فيما كان وزير المال أكّد خلال مناقشة الموازنة وجود تغطية لإعطاء أربعة أضعاف الراتب حتى قبل إقرار هذه الضرائب.

انطلاقاً من ذلك، لا ترفع الرابطة سقف المواجهة دفعة واحدة، بل ستبدأ بسلسلة مطالب فورية تُقدّم كحدّ أدنى قابل للتنفيذ: رفع بدل النقل إلى 1.5 مليون ليرة، تعديل بدل المحروقات إلى مليوني و350 ألف ليرة، المباشرة بدفع التعويضات العائلية وفق القيم الجديدة، وإقرار مساعدة مالية شهرية مرتبطة بمردود الضرائب المُحصّلة.

ماذا إذا لم توافق السلطة على هذه المطالب «المتواضعة»؟ يقول أمين سرّ الرابطة وليد الشعار إنّ الخطوة التصعيدية الحالية هي عبارة عن «إضراب تحذيري فقط من دون أي تحرّك في الشارع»، في ظل المخاوف من أي تطورات أمنية في هذا الظرف الحساس. غير أن هذا الخيار الذي ينطوي على ضغط إداري لا ميداني، هو الخطوة الأولى بعدما حاولت الرابطة فتح قنوات تواصل مع وزير المال ووصلها «جواب لا يحمل أيّ مؤشرات إيجابية». فالمسار التصعيدي «لن يتوقّف عند يومي الإضراب بل سيتدرّج وصولاً إلى إضراب مفتوح في حال عدم تحقيق أي نتيجة».

وعن خفض سقف المطالب، يلفت إلى أنّ الرابطة تكتفي اليوم بإجراءات فورية بدل المطالبة بالزيادات الكاملة التي أُقرّت سابقاً، في محاولة «للوصول إلى حلّ وسط يتلاءم مع تراجع الجباية والظروف العامة». من هنا، تتركّز المطالب الحالية على زيادة بدل النقل، إضافة إلى اعتماد آلية حضور مرنة تقوم على 50% دوام فعلي مقابل 50% عمل عن بُعد، بما يخفّف الأعباء عن الموظفين.

ويرى أن المرحلة المقبلة لن تكون منفصلة عن باقي القطاعات، إذ إن أي خطوات تصعيدية لاحقة «ستجري بالتنسيق مع المعلّمين وسواهم من العاملين في القطاع العام»، ما يفتح الباب أمام توسيع دائرة الضغط في حال استمرار المراوحة. بهذا المعنى، لا يُعدّ الإضراب التحذيري فعلاً محصوراً، بل نقطة انطلاق لأن منطق السلطة بفرض الضرائب مقابل تجميد الأجور، لم يعد مقبولاً في ظل التآكل الحادّ للقدرة الشرائية والظروف الصعبة التي فرضها العدوان الإسرائيلي على لبنان.