Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر April 24, 2026
A A A
في الطريق نحو بنت جبيل
الكاتب: زينب بزي

كتبت زينب بزي في الأخبار 

إلى أين كانت الصحافية الشهيدة آمال خليل متّجهة في مشوارها بعد الطيري؟

هل كانت تحاول الوصول إلى بنت جبيل؟ إلى مدينتنا التي لا نعرف أخبارها سوى من صور الأقمار الاصطناعية؟

 

هل كانت تحاول أن تأتي لنا بخبر من بلدتنا التي شهدت على رجال أشداء لم يتركوها، وعلى إجرام ينسف البلاد وكأنّها لا تنتمي إلى أحد؟

هلّا تعودين لِتخبرينا ماذا رأيتِ هناك عند مشارف بنت جبيل، وتبقين معنا لكي ندخلها معاً آمنين في يوم قريب؟ هل لمحتِ عصافير البلاد التي تشبهينها كثيراً، برقّتها وخفّتها وحضورها الذي يطمئننا بأنّ تلك البلاد ما زالت بخير رغم الخراب الذي حلّ بها؟

 

يوم الأربعاء، ارتقت آمال برفقة شابين من بنت جبيل: المختار علي نبيل بزي، والشاب محمد أيمن الحوراني، بالإضافة إلى إصابة المصوّرة زينب فرج، ابنة بنت جبيل أيضاً. ارتقت برفقة أهل البلاد، حيث كان السبب محدّداً وواضحاً: حبّ البلاد.

 

ماذا فعلت آمال؟ أيّ خطيئة اقترفت؟ إنّها البلاد، بلادنا وأرضنا، وكلّ ما نحب ونملك. كيف أصبحت مُحرّمة علينا فجأة؟ وكيف صار الدخول إليها يستدعي أن تُقتل، وأن تُحاصر، ثم يُقتل كلّ من معك لمحو كلّ الشهود على جريمة أخرى من جرائم مجرمي العصر؟

هل صدّق العدو الإسرائيلي بأنّ بلادنا تلك تقع ضمن خطّه الأصفر؟ إنّها خطّنا الأحمر، والذي من أجله يصير دمنا ورداً يتناثر على كلّ الدروب الواصلة إليها.

 

أخبرينا يا آمال، كيف حال البلاد؟ كيف حال طريق الطيري وتلة مسعود وصفّ الهوا؟ أخبرينا، ماذا قالت لك الأشجار عن شجاعة شبابنا؟ هل بقيت واقفة كما كانت، أم اقتلعها الخراب كما اقتلع وجوهنا من أمكنتها؟ هل امتلأت أرضنا هناك بالأقحوان والدحنون كعادتها، أم أنّ المحتلّ أيضاً منعها، كما منعكِ أن تنثري عطرك فيها؟

 

ماذا عسانا أن نقول لبنت جبيل حين نعود؟ هل نقول لها إنّ هناك بطلة كانت تتغزّل بصمودكِ وسوقكِ و«مرشوشتكِ»، وتزوركِ لتطمئنّ وتطمئن قلوب المشتاقين إليكِ، رحلت من أجل أن تراك؟ قتلوها في الطريق إليك؟ حاصروها كي لا تعبر نحوك؟ أيّ حزنٍ يسع قلب بنت جبيل بعد؟ وأيّ قلبٍ يمكنه أن يتّسع لكلّ هذا الفقد، حين تصبح الطريق إلى أماننا ومستقرّنا، نفسها، طريقاً إلى الشهادة؟

 

نقول لها إنّهم حاولوا أن يجعلوا الوصول إليكِ مستحيلاً، أن يحوّلوا الحنين إلى خطر، والعودة إلى مغامرة، والأرض إلى سؤال. لكنّهم لم يفهموا أنّ هذه الطرق، مهما أُغلقت، تُفتح لأجلنا. وأنّ البلاد، مهما حاصروها، تبقى فينا أكثر مما نحن فيها.

 

نقول لها إنّ آمال وصلت. ليس كما أرادت، ولا كما أردنا، لكنّها وصلت. وصلت إلى الأرض التي تشبهها، إلى البلاد التي كتبتها وروتها، إلى الحكاية التي لم تكتمل بالكلمات فاكتمَلت بالدم.

 

نعرف أنّكِ رأيتِ أكثر مما نستطيع أن نحتمل. نعرف أنّكِ حاولتِ أن تكتبي، أن تصوّري، أن تقولي لنا إنّ البلاد ما زالت هناك، تنتظرنا. ونعرف أنّكِ لم تخافي، لأنّ من يعرف هذه الأرض لا يخاف الطريق إليها.

 

سنعود يا شهيدة نيسان لأنّ دمكِ فتح الطريق. سنعود بفضل دمكِ ودماء الذين سبقوكِ، تلك التي لم تسقط هدراً، بل صارت درباً يُهتدى به، وصارت جسراً نعبره نحو بيوتنا التي تنتظر عودة أهلها الحقيقيين.

سنعود لأنّ البلاد التي أخذت منكم هذا القدر من الحبّ لا بدّ أن تعيدنا إليها. سنعود وكلّ خطوة ستكون امتداداً لكم، وكلّ عودة ستكون جواباً على تلك الدماء التي قالت: هنا الطريق… فاعبروا.