Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر April 20, 2026
A A A
“الدرع السيادي”.. حين تصبح الميزانيّات العموميّة للدول صمّام أمان التجارة العالميّة
الكاتب: جاسم عجاقة - الديار

في الثامن من نيسان الحالي، تنفس العالم الصعداء مع دخول وقف إطلاق النار بين الولايات المُتحدّة الأميركية وإيران حيز التنفيذ. لكن بالنسبة لقطاعي الشحن العالمي والتجارة الدولية، لم تكن الحرب الحقيقية عسكرية، بل كانت مالية! ومع إعادة فتح مضيق هرمز أبوابه في السابع عشر من نيسان، وجد الإقتصاد العالمي نفسه في واقعٍ إندثر فيه نموذج الكفاءة Just in time، وحلّ محله نموذج جديد تُديره الدولة: “الدرع السيادي”، وهو نموذج حلت فيه الميزانية العمومية السيادية “Sovereign Balance Sheet” مكان آليات السوق، كضامنٍ نهائي للتجارة العالمية.

 

 

ولكن قبل الغوص في تفاصيل دور التأمين في إعادة رسم سلسلة القيمة العالمية، يجب معرفة أن الميزانية العمومية السيادية، هي عبارة عن إجمالي أصول الدولة مقابل إلتزاماتها. وبالتالي فهي تُشكّل أهمّ أداة لإمتصاص الصدمات وضمان الإستقرار الاقتصادي.

 

نقطة الاختناق الكبرى في مجال التأمين

 

عندما بلغت المواجهة العسكرية ذروتها بين إيران من جهة، والولايات المُتحدّة الأميركية و”إسرائيل” من جهة أخرى في شهر آذار المُنصرم، لم يُغلق مضيق هرمز بسبب الألغام البحرية أو الصواريخ! بل أُغلق بسبب المُعطيات الإقتصادية. فأقساط التأمين على مخاطر الحرب إرتفعت إلى حدّ الـ 400% خلال الـ 48 ساعة التي تلت بدء العمليات العسكرية، وأعلنت اللجنة الحربية المُشتركة التابعة “لرابطة سوق لويدز” “Lloyd’s Market Association’s Joint War Committee” منطقة الخليج بأكملها منطقة حرب. والسبب هو عدم قدرة شركات التأمين تسعير مخاطر الحصار البحري الشامل ، وهي المنوطة تقييم وإحتساب المخاطر بشكلٍ فعالٍ. هذا الأمر أظهر فشل ذريع للسوق، حيث أن المُشكلة لم تكن في المخاطر، بل في عدم قدرة قياسها على الرغم من وجود نماذج حسابية مُتطوّرة جدا مبنية على الذكاء الإصطناعي.

 

وكردٍ على هذا الواقع وفي خُطوة مُفاجئة، أطلقت الحكومة الأميركية من خلال مؤسسة تمويل التنمية الدولية (International Development Finance Corporation)، برنامجاً بقيمة 20 مليار دولار أميركي (رُفع لاحقا إلى 40 مليار دولار أميركي) لإعادة التأمين البحري، مدعوما من شركات عملاقة مثل تشب (Chubb)، وبيركشاير هاثاواي (Berkshire Hathaway)، وإيه آي جي (AIG)… وذلك بهدف نقل المخاطر في قطاع التجارة العالمية، إلى القطاع العام الأميركي أو بمعنى أخر الخزينة الأميركية.

 

من الكفاءة إلى المرونة

 

تُمثل هذه الخطة تحولا جذريا في سلاسل القيمة العالمية، حيث وعلى مر عقود كان تطوّر هذه السلاسل يستندّ على فكرة جوهرية، ألا وهي حرية التنقل عبر الحدود دون عوائق. إلا أن الصراع بين الولايات المُتحدة الأميركية وإيران، أظهر عالما جديدا ألا وهو صبغ الخدمات اللوجستية بالصبغة السيادية:

 

– أولاً الرسوم الجمركية الخفية مُقابل الأمن: على الرغم من إنخفاض سعر خام برنت إلى حوالي 90 دولارا للبرميل الواحد نهاية الأسبوع الماضي، وذلك كنتيجة لوقف إطلاق النار، إلا أن تكلفة التأمين لا تزال مُرتفعة. ويأتي هذا الأمر من مُنطلق أن الضمانات السيادية الجديدة ليست “مجانية”، مما ينتج عن ذلك نظام تجارة دولية على مستويين: الأول ممرات “محمية” بضمانات سيادية، والثاني ممرات رمادية حيث يكون التأمين باهظ التكلفة.

 

– ثانياً: نهاية نظام الإنتاج في الوقت المناسب، إذ أن الصراع أدّى إلى أزمة التأمين، أجبرت الشركات على تراكم هائل للمخزونات سعيا وراء الصمود، وهو ما يُناقض مبدأ الكفاءة الذي يستخدم رؤوس الأموال لتمويل الابتكار، مما دفع الشركات إلى تجميد جزء من رؤوس الأموال في إحتياطيات، بدءا من أشباه الموصلات وصولا إلى الغاز الطبيعي المسال.

 

– ثالثاً التباين الإقليمي: أظهرت الأزمة أن الدول المستوردة للنفط ، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا، واجهت وتواجه ضغوطات هيكلية على الحساب الجاري. هذه الضغوطات لا يمكن حلها بهدنة كالتي نشهدها. من جهة أخرى، نرى بعض الدول كالمكسيك وفيتنام تستقبل تدفقات مالية كبيرة، بهدف الإستثمار فيها ونقل الإنتاج إليها، بحكم أن هذه الدول خارج نطاق الإختناق الجيوسياسي.

 

المراهنة على إسلام آباد

 

على صعيد أخر، تترقب كافة دول العالم إتفاقا ما قد يخرج من العاصمة الباكستانية إسلام آباد. ويأتي الحديث عن إطار إتفاق من شأنه الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بقيمة 20 مليار دولار أميركي، مقابل خفض التصعيد من قبل إيران، ليزيد من إحتمالات الوصول إلى إتفاق شامل.

 

وكنتيجة ذلك، قد يشهد الإقتصاد العالمي إرتفاعا في توقعات النمو، إذا تم توقيع الاتفاقية قبل نهاية موعد إتفاق وقف إطلاق النار (أي صباح اليوم الإثنين) ، مع إنخفاض سعر برميل النفط إلى 75 دولارا للبرميل الواحد. وسيعود معدل النمو العالمي إلى 3.3%. أمّا في حال إنهيار وقف إطلاق النار، سيكون هناك تصعيد بحري كبير يُدخل أسعار التأمين البحري في دوامة لا رجعة فيها ، وسنشهدّ موجة إنكماشية هائلة!

 

 

البنية الاقتصادية الجديدة

 

 

 

 

 

هل بدأ تفكّك العولمة؟ الجواب على هذا السؤال هو لا، لكن هذه العولمة أصبحت مجزأة، بما معناه أن بعض أجزائها أصبحت محمية من قبل شركات تأمين مدعومة من قبل الدول وسياسات صناعية قومية.

 

الآن أصبحنا في مرحلة أو عصر جديد يُعدّ فيه الميزانية العمومية السيادية ” Sovereign Balance Sheet” الأداة الرئيسية التي تبني الدول إستراتيجياتها عليها، والتي تُحدّد مدى إستعداد هذه الدول وقدرتها على حماية طرقها التجارية.

 

ماذا عن لبنان في هذا المشهد الجديد؟

 

بينما يتجه الاقتصاد العالمي نحو إستراتيجية “درع سيادي”، مدعومة من قبل الدولة، يجد لبنان نفسه في مفارقة محفوفة بالمخاطر. فلبنان لا يمتلك موارد مالية كافية لـ “ميزانية سيادية” ملاءمة خاصة به، نتيجة العجز في إحتياطات مصرف لبنان (خارج الإحتياطي الإلزامي)، ونتيجة تعثر عملية إعادة هيكلة القطاع المصرف والدين العام. وهو ما يُهمّش لبنان فعليا من بنية الأمن الإقليمي الجديدة، حيث يُصبح لبنان “حالة شاذة جيوسياسية”. وتبقى تكلفة التجارة باهظة للغاية، لعدم وجود ضمانة سيادية محلية للتخفيف من المخاطر، بمعنى آخر لن تستطيع الدولة اللبنانية ضمان تأمينها البحري واللوجستي، ولن تتمكن من جني الثمار الإقتصادي التي تتدفق إلى دول المنطقة.

 

لذا من الضروري على السلطة معرفة أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، لا تقتصر فقط على الإستقرار الإقليمي، بل هناك سباق مع الوقت لإستعادة الملاءة المؤسسية، قبل أن يتم رسم خرائط التجارة “السيادية” الجديدة في المنطقة بشكل دائم.

 

مع بدء هذا اليوم (إنتهاء مهلة وقف إطلاق النار)، لن تكون الطاقة هي السلعة الأثمن، بل معرفة إذا كانت الناقلة أو السفينة قابلة للتأمين.