Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر April 20, 2026
A A A
الهدنة المؤقتة: محطّة في مسار لم يُحسم بعد
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في “الأخبار”

لا ينبغي الخلط بين الهدنة الهشّة المؤقّتة التي تعيشها الساحة اللبنانية اليوم، ونهاية الحرب. ما نشهده ليس تسوية ولا معادلة جديدة ولا تفاهماً على ملامح المرحلة المقبلة. هو فقط محطة قسرية في مسار لم يُحسم بعد. فالحرب دخلت في سُبات مؤقّت بفعل قصور إسرائيلي ميداني وصمود مقاوم مكلف للعدو وضغوط خارجية، إذ كانت الضغوط الإيرانية على الجانب الأميركي، الذي كان يلهث إلى مخارج في حربه الفاشلة على إيران، فاعلة ومؤثّرة وحاسمة.

 

فرضت الولايات المتحدة فرامل على التصعيد الإسرائيلي خشية تأثير الحرب على مسار التسوية مع إيران، التي بقيت خياراً وحيداً أمام إيران نتيجة استبعاد الخيارات العسكرية الأخرى، التي تُقدّر بأنها لن تقوى على تحمّل أثمانها. وهذا الفرق الجوهري يجعل من الهدنة الحالية مجرّد استراحة تكتيكية، وليس نهاية حرب تطول وتتمدّد.

 

وحين ننظر إلى الأهداف الإسرائيلية المُعلنة ونقارنها بالواقع على الأرض، يتّضح أن هناك فجوة واسعة. إسرائيل لم تنزع سلاح حزب الله، ولم تدفعه إلى ما وراء نهر الليطاني، ولم تُعِدْ ترتيب معادلة الردع لصالحها، كما أنها لم توجد للسلطة اللبنانية المقدّمات الضرورية اللازمة التي كان يُراد لها أن تستند إليها لإكمال المهمة ضد حزب الله. بإمكان إسرائيل أن تعلن، وهي أعلنت، عن تحقيق إنجازات تكتيكية، لكنّ الميزان الاستراتيجي يُثبِت العكس.

 

يُلقي الفشل الإسرائيلي بظلاله الثقيلة على مرحلة ما بعد الهدنة، ويطرح سؤالاً ملحّاً: هل ستعاود تل أبيب دراسة خياراتها وحساباتها لاحقاً، لتعيد تشغيل عجلة الحرب عندما تتغيّر الظروف، أم أن تكلفة الاستمرار المُقدّرة ستُثنيها عن ذلك؟

الموقف الأميركي غير ثابت، وهو رهينة مُتغيّرات، منها لم يتحدّد بعد. فتطورات الملف النووي الإيراني ونتائج المسارات التفاوضية والتحوّلات في الإدارة، كلها عوامل قد تخفّف الضغط أو تزيده. وإذا شعرت واشنطن بأن مصالحها مُهدّدة في هذا الاتجاه أو ذاك، فقد ترفع يدها عن المكابح أو تضغط عليها أكثر.

 

داخلياً، يعيش لبنان انقساماً حاداً بين منطقيْن: منطق المواجهة الذي يرفض أي تفاوض مع العدو، ومنطق التسوية الذي يرى في الحوار والمفاوضات، مخرجاً من الواقع الحالي، في حين أن نتيجة الحرب لم تحسم هذا الصراع. صحيح أن منطق التفاوض تعرّض لنكسة تكتيكية، لكنه لم ينهزم استراتيجياً، وإن كان هناك من يرى النقيض من ذلك.

 

أيضاً هناك من يجادل، وعن حقّ، أن العملية التفاوضية بين إسرائيل والسلطة اللبنانية، شبيهة بجهة تستجدي التفاوض (لبنان) وهي مستعدّة لقبول ومحاولة تنفيذ ما يُطلب منها، وكذلك مستعدّة للاكتفاء بما تُعطى من الطرف الآخر الذي لا يريد إعطاءها شيئاً.

المسار الذي تتبناه السلطة اللبنانية هو مسار كان مُعدّاً ليلاقي ما كانت السلطة تراهن عليه، وهو انتصار إسرائيلي أميركي ضد إيران، ومن ثم إكماله بما أمكن في الساحة اللبنانية ضد حزب الله، لكنّ نتيجة الحرب، وفشل إسرائيل وأميركا في الساحتين، جعلا من هكذا مسار مستعصياً على التنفيذ.

 

تبقى الأمور رهن مسار الحرب مع إيران، والميدان سيكون له شكله الخاص كون المقاومة لن تترك الاحتلال وستردّ على الخروقات

 

 

ما يحدث اليوم ليس نهاية قصة، بل فصل في رواية طويلة، لم تصل بعد إلى خاتمتها. المحطة الحالية مجرّد استراحة في صراع لم تُحسم معادلاته. الحرب مستمرة بأوجه جديدة في مرحلة الهدنة، التي قد تُمدّد أو لا تُمدّد وفقاً للمتغيّر الإيراني، إلا أن الأهداف لم تتحقّق والفرامل الدولية قابلة للتفكّك، والانقسام الداخلي لم يجد من يحسمه. فهل تعود الحرب أم تتفرمل طويلاً؟ متى وكيف وبأيّ ثمن؟

 

كشف عدد من ضباط الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي، خلال إحاطة إعلامية عُقدت مع مراسلي الوسائل الإعلامية العبرية خلال اليومين الماضيين، عن قراءة تفيد بأن المكاسب الميدانية المتحقّقة في لبنان قد تكفي لتمهيد الطريق نحو تسوية سياسية تضمن تهدئة طويلة الأمد على الحدود. ويستند هذا الطرح إلى فرضيتين جوهريتين: الأولى تتصل بوجود إرادة سياسية إسرائيلية وقدرة فعلية على خوض مسار تفاوضي حقيقي مع لبنان، والثانية تفترض منح المؤسسة العسكرية هامشاً واسعاً للتحرّك العملياتي والهجوم في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً في الجنوب.

 

غير أن هذه القراءة تصطدم فوراً بواقع سياسي غير واضح: إذ يبقى انخراط الحكومة الإسرائيلية في أي مسار دبلوماسي رهن حسابات متقلّبة ترفض أيّ تسوية مع السلطة اللبنانية حتى شكلياً، في حين يتعارض شرط الحرية العملياتية للجيش مع منطق التهدئة ذاته، خاصة مع عزم حزب الله على الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية، ما يحوّل الاتفاق المتوقّع إلى إطار هشّ، قابل للانتكاس عند أول اختبار ميداني.

 

على الصعيد الاستراتيجي، تبرز إشكالية بنيوية في هذه المعادلة؛ فالحديث عن استقرار حدودي مُقترِن ببقاء حق الضربة الاستباقية والوقائية لإسرائيل، يكشف عن تناقض واضح بين التكتيك والسياسة، إذ إن الكوابح التي تفرضها الإدارة الأميركية على التصعيد تتعارض مع ميول القرار السياسي الإسرائيلي الذي يفضّل استمرار الخيار العسكري، كما أن أي ردّ من حزب الله عبر عمليات استنزاف مركّزة أو هجمات غير تقليدية سيضع الجيش الإسرائيلي أمام مأزق عملياتي وسياسي مُعقّد.

 

في المحصّلة، تبدو هذه الإحاطة محاولة لصياغة رواية تجميلية لعملية لم تحقّق أهدافها المُعلنة، عبر ربطها بمسارات سياسية لم تكتمل أصلاً ويظل تحقيقها موضع شك. ورغم حرصها على إظهار الاقتدار واليد العليا، فإنها تكشف في واقع الأمر عن تشظٍّ في الرؤية وميل واضح إلى التمنّي على حساب القراءة الواقعية.

 

هذه الإحاطة، وما ورد فيها، يشيران بالتبعية، إلى أن الحرب لم تنته بعد؛ فالهدنة راهناً هشّة، والترتيب الأمني-السياسي لم يتبلور وهو موضع شكّ، ومجموع هذه المعطيات يؤكّد أن الوضع الراهن لا يملك مقوّمات الاستمرار طويلاً.