Beirut weather 17.98 ° C
تاريخ النشر April 20, 2026
A A A
لم يعد السؤال عن التسوية بل عن اليوم التالي؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

ضاعت على واشنطن وتل أبيب لحظة الانتصار على إيران بالضربة القاضية، وصارت التسوية بمعزل عن مضمون شروطها أمراً حتمياً، ولو بعد جولات قتال وتفاوض متعاقبة، وليست صيغة التسوية هي ما يشغل واشنطن وحلفاءها اليوم، بل ما بعد التسوية، أي اليوم التالي للحرب. لأن التسويات في الحروب الكبرى كثيرًا ما تُصاغ بلغة مزدوجة، تُتيح لكل طرف أن يدّعي النصر: يمكن لواشنطن أن تتحدث عن تدمير مقدرات إيرانية، أو عن سنوات طويلة تحتاجها طهران لإعادة بناء ما تهدّم، أو عن تأجيل البرنامج النووي. ويمكن لـ”إسرائيل” أن تتحدث عن استعادة الردع أو كسر التهديد. لكن كل ذلك لا يبدل حقيقة واحدة: اليوم التالي لا يُقاس بما يُقال في البيانات، بل بما تُثبته موازين القوى على الأرض، وهذه هي العقدة التي تُقلق واشنطن.

 

في استقراء اليوم التالي، المسار الأول هو مسار إيران والإقليم. والحرب في حالها الراهن، لم تُنتج شرقًا أوسط جديدًا كما حلمت واشنطن وروجت تل أبيب، بل كشفت هشاشة القوى التي كانت تُقدَّم بوصفها أعمدة التوازن الإقليمي. تركيا التي كانت تُصنَّف قوة صاعدة، بدت هامشية بلا وزن، تراقب أكثر مما تبادر. ودول الخليج، التي امتلكت فائض القوة المالية والسياسية، ظهرت مسرحاً لحرب تدمّر منشآتها النفطيّة وهي محكومة بسقف الحماية الأميركية الهشة، عاجزة عن تحويل ثقلها إلى تأثير استراتيجي مباشر. تترنّح بين البقاء تحت السقف الأميركي وخطب الودّ الإيراني طلباً للتسوية، في المقابل، تقدّمت إيران بوصفها الطرف الوحيد القادر على إثبات الحضور كقوة عظمى تقف مقابل ثنائي متوحّش تمثله أميركا و”إسرائيل”، بكل ما لديهما من قدرات نارية واستخبارية وتكنولوجية، وإيران تخوض مواجهة شاملة ومتعدّدة الجبهات، من الخليج إلى المتوسط. هنا تكمن المفارقة: بدل أن تُضعف الحرب إيران، أعادت تعريفها كقوة عظمى إقليمية في مواجهة أميركا، لا كدولة متمرّدة داخل نظام تقوده واشنطن. هذا التحوّل لا يمكن تغطيته بأي نص تسوية.

 

المسار الثاني هو مسار “إسرائيل” والمقاومة، حيث إن عودة المقاومة التي قيل إنها انتهت وتبخّرت، ظهرت كقوة مقتدرة تبهر الصديق والعدو، وأعادت رسم معادلات القوة، وحيث إن ما جرى في مستوطنات الشمال ليس تفصيلاً عابرًا، بل لحظة تأسيسية في وعي المجتمع الإسرائيلي. ولأول مرة منذ عقود، يشعر هذا المجتمع بأن الجبهة الداخلية ليست محصنة، وأن الحرب لم تعد تُخاض بعيدًا عن المدن والمستوطنات. وقدرة المقاومة على فرض معادلة النار المتبادلة، واستنزاف الجيش الإسرائيلي، وإبقاء الشمال في حالة شلل، تعني أن أي إعلان نصر إسرائيلي سيصطدم بسؤال بسيط: ماذا عن الأمن؟ هل عاد المستوطنون؟ هل زال التهديد؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن صورة الردع تكون قد تصدّعت، وهذا ما لا يمكن ترميمه بخطاب سياسي أو اتفاق مكتوب.

 

المسار الثالث هو المسار الداخلي في كل من أميركا و”إسرائيل”. ومنذ الآن في واشنطن، تُطرح أسئلة قاسية حول جدوى المغامرة: ماذا تحقق؟ وما الذي خسرته الولايات المتحدة من هيبتها وقدرتها العسكرية والاقتصادية؟ حرب مكلفة، بلا إنجاز حاسم، تعني تلقائيًا اهتزاز الموقع السياسي للإدارة، وفتح الباب أمام خصومها في الداخل. وفي “إسرائيل”، يبدو المشهد أكثر حدّة: حكومة دخلت الحرب تحت عنوان الحسم، لتجد نفسها أمام حرب استنزاف طويلة، وخسائر بشرية ومادية، وقلق مجتمعي متصاعد. هذا هو النوع من الحروب الذي يُسقط حكومات، لا الذي يُثبتها.

 

في لبنان، تبدو الصورة أكثر حساسية. السلطة التي راهنت على المسار التفاوضي، وعلى الضغط الأميركي على “إسرائيل”، تجد نفسها في موقع ضعيف في اليوم التالي. والمعادلة التي كرستها الحرب تقول إن القوة الفعلية على الأرض كانت للمقاومة، وإن أي تسوية لم تكن لتُطرح لولا هذا الأداء. وهذا كافٍ كي يضع السلطة أمام مأزق مزدوج: كيف تبرّر رهانها السابق؟ وكيف تتعامل مع واقع جديد تعاظم فيه دور المقاومة؟ إنها لحظة إعادة تعريف للتوازن الداخلي، لا يمكن إدارتها بالشعارات القديمة.

 

أوروبا من جهتها تقف على عتبة تمايز متزايد عن واشنطن. وفي اليوم التالي، لن يكون من السهل على العواصم الأوروبية الاستمرار في الانخراط غير المشروط خلف السياسات الأميركية، خصوصًا إذا تبيّن أن الحرب لم تُحقق أهدافها، بل زادت من المخاطر الاقتصادية والأمنية على القارة. الحاجة الأوروبية للاستقرار، ولتأمين الطاقة، ولتفادي موجات توتر جديدة، ستدفعها نحو مسافة محسوبة من واشنطن، وربما نحو إعادة فتح قنوات مع طهران، بما يعكس إدراكًا بأن إيران باقية كقوة مقررة في الإقليم، وربما السعي لتسوية مع روسيا، أو كما يقول الكثيرون في فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى حلف تاريخي مع الصين.

 

أخيرًا، هناك روسيا والصين. في اليوم التالي، ستنظر موسكو وبكين إلى ما جرى بوصفه حرب استنزاف كبرى أنهكت أميركا وأظهرت الكثير من نقاط ضعفها السياسي والاقتصادي والعسكري، وهي تقدّم مؤشرًا إستثنائيًا على تراجع القدرة الأميركية على فرض إرادتها بالقوة. وإذا كان هذا لا يعني انتصارًا مباشرًا لهما، لكنه يعني اتساع هامش الحركة أمامهما، في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية. أميركا التي تدخل حربًا ولا تخرج منها منتصرة بوضوح، هي أميركا مختلفة في عيون خصومها وحلفائها على السواء.

 

لهذا كله، تخاف واشنطن من اليوم التالي أكثر مما تهتم بصيغة التسوية. حيث التسوية يمكن صياغتها بالكلمات، أما اليوم التالي فيُكتب بالوقائع، والوقائع تقول إن ميزان القوة قد تغيّر، وإن ما بعد الحرب لن يشبه ما قبلها، مهما حاولت البيانات أن تقول العكس، وربما لذلك تتردد واشنطن في انهاء الحرب لأنها تفضل استئخار اليوم التالي ما أمكن؟