Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر April 6, 2026
A A A
تداعيات العدوان: الإقتصاد لا يقلّ خطورة عن الأمن والسّياسة!..
الكاتب: عبد الكافي الصمد - سفير الشمال

في الوقت الذي تهيمن فيه أخبار الحرب والميدان نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان على بقية الأخبار الأخرى، وعلى المخاطر التي تحيط بالبلاد وتنتظره عند اليوم الأوّل من توقّف الحرب، بدأت التّداعيات الإقتصادية تطلّ برأسها، وتنذر بتضاعفها، وترسل أكثر من إشارة مقلقة الى أنّ مستقبل لبنان في الأيّام المقبلة غير مطمئن.

 

هذه الإشارات المُقلقة ظهرت بعد 17 شباط الماضي عندما أقرّت الحكومة زيادة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين، بالتزامن مع إقرارها زيادة على أسعار المحروقات وعلى الضريبة على القيمة المضافة (TVA) من 11 إلى 12 %، إذ سرعان ما خرجت الأمور عن السّيطرة بشكل جنوني، بحيث إرتفع سعر صفيحة البنزين خلال أقل من شهر قرابة 70 في المئة، من 16 دولاراً إلى ما يناهز 27 دولاراً، ومعها إرتفع سعر صفيحة المازوت وقارورة الغاز بالنسبة ذاتها تقريباً، وأحياناً أكثر، الأمر الذي أرخى بثقله على كاهل المواطنين بشكل غير مسبوق.

 

 

والمفارقة أنّ الزيادة التي أقرّتها الحكومة للموظفين لم تُقبض بعد، وهي مشروطة، وفق قرار الحكومة، بإقرار زيادة الضريبة على القيمة المضافة بقانون في مجلس النوّاب، ما جعل تلك الزيادة مجرد حبر على ورق، وتركها مُعلّقة إلى أجل غير مسمّى قد يمتد لأشهر طويلة، ما يترك الموظفين، ومعهم المواطنين، فريسة إرتفاع جنوني في الأسعار وتدهور قيمة رواتبهم وأجورهم التي خسرت خلال أقلّ من شهر قرابة 40 % من قيمتها.

 

ومع أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لم يتوقف منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأوّل من العام 2023، وتجدّد بشكل أكثر خطورة في 2 آذار الفائت، فإنّ الوضع الإقتصادي والمعيشي بقي تحت السّيطرة إلى حدّ ما، إلى أنْ جاءت خطوة الحكومة التي رفعت فيها أسعار المحروقات لمصلحة خزينة الدولة من أجل تمويل زيادة رواتب موظفي القطاع العام، وهي زيادة لا يُنتظر أن يقبضها الموظفون خلال وقت قريب.

 

ملامح هذه الأزمة الإقتصادية والمعيشية التي تنذر بأيّام صعبة مقبلة على لبنان ترجمت في ارتفاع أسعار السّلع، ومنها المحروقات طبعاً، وتراجع الأعمال والحركة الإقتصادية في كلّ القطاعات تقريبا، إلى حدّ توقفها تماماً، كما هو الحال في المناطق التي تتعرّض لاعتداءات إسرائيلية، وفي تراجع وندرة المساعدات الإجتماعية للمتضرّرين والنّازحين الذين ناهز عددهم مليوناً و200 ألف نازح، وعجز فادح عن تلبية الحاجيات الرئيسية لهم ولعموم المواطنين.

 

 

ولأنّ المصائب لا تأتي فرادى، فإنّ تراجع وتوقّف الأعمال والحركة الإقتصادية لم يقتصر على لبنان، ذلك أنّ الحرب الشّاملة في المنطقة منذ شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران في 28 شباط الماضي، تركت تأثيراً بالغاً على مجمل الحركة الإقتصادية في المنطقة والعالم بسبب إرتفاع أسعار النّفط ومخاطر النقل بحراً وبرّاً، وارتفاع تكاليفه، ما فرض كلفة إضافية على السّلع وأنماط الحياة الضرورية كافّة، ما أدّى إلى تراجع التحويلات المالية من الخارج بشكل كبير، وهي تحويلات تعتبر الترياق الرئيسي لمنع الإنهيار الشّامل في بلدٍ يعتاش أهله بنسبة كبيرة عليها، وهي التي تأتيهم من أبنائهم وأقاربهم المقيمين في الخارج، ما يُعطي إشارة واضحة إلى الأيّام الصّعبة التي تنتظر اللبنانيين في الأيّام المقبلة.