Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر April 6, 2026
A A A
تراجع في الأولويات الإسرائيلية.. من نزع السلاح إلى المنطقة العازلة!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

لم يعد النقاش الدائر حول العدوان الإسرائيلي على لبنان محصورًا بمسألة نزع سلاح حزب الله، كما حاول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تسويقه في المراحل الأولى من الحرب، ضمن أهدافه الكبرى ومواقفه التصعيدية، بل إن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة توحي بتحوّل واضح في الأولويات، حيث تراجع هدف نزع السلاح بعدما أيقن العدو أنّ لا الميدان ولا الاجتياح ولا القصف العنيف يمكنه من الوصول إلى هذه الغاية.

 

هذا التحول يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة العمليات العسكرية، إذ يبدو أن إسرائيل تسعى الى فرض وقائع دائمة على الأرض، أبرزها إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية تمتد على طول الشريط الحدودي وتشمل نحو أربع عشرة بلدة جنوبية.

 

 

وعليه، لم يعد العدوان مرتبطًا حصراً بسلاح حزب الله، بل بات يرتبط بمشروع ذي أبعاد احتلالية وسيادية، ما يجعل القضية شأناً وطنياً جامعاً يمسّ الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة الى مجلس النواب والقوى السياسية والمجتمع اللبناني ككل.

 

بعد إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2025، روّجت بعض التيارات السياسية لفكرة أن عجز الدولة عن نزع سلاح حزب الله سيقود حتمًا إلى تدخل إسرائيلي مباشر لتنفيذ هذه المهمة.

 

وقد استُخدمت هذه المقاربة كأداة ضغط سياسي داخلي، قائمة على التهويل بإمكانية الحرب بوصفها نتيجة حتمية لاستمرار الواقع القائم.

 

غير أن المفارقة برزت مع التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي أقرت بأن نزع سلاح الحزب لا يمكن تحقيقه حتى عبر احتلال شامل للبنان، وأن هذا الهدف لم يعد هدف العدوان الحالي.

 

هذا الاعتراف الصهيوني يطرح سؤالًا جوهريًا لجهة: إذا لم يعد نزع السلاح هو الهدف الأساسي لإسرائيل، فما هي الغاية الفعلية من الحرب؟
تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق الحسم العسكري الذي وعد به نتنياهو، حيث أن استمرار المقاومة في عملياتها العسكرية وفي إطلاق صلياتها الصاروخية، في تصديها الميداني لكل محاولات التوغل، قد فرض معادلة جديدة، أعادت التوازن إلى ساحة المواجهة وأظهرت محدودية القدرة الإسرائيلية على تحقيق نصر واضح أو إعادة المستوطنين إلى شعور كامل بالأمن والاستقرار، خلافًا لوعود نتنياهو السياسية والاعلامية في وقت سابق.

 

 

أمام هذا الواقع، يبدو أن الأهداف الإسرائيلية شهدت عملية إعادة تموضع: من القضاء على حزب الله بالكامل ونزع سلاحه، إلى إضعافه استراتيجيًا، ومن تحقيق نصر شامل، إلى فرض ترتيبات أمنية دائمة، وفي مقدمتها المنطقة العازلة. فإسرائيل التي عجزت عن تحقيق إنجاز عسكري حاسم، قد تسعى إلى ترجمة الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية وجغرافية طويلة الأمد.

 

لا شك في أن إستمرار المواجهات بوتيرة مرتفعة، وما يرافقها من استنزاف في الآليات والجنود، يساهم في تجديد معادلة ردع قد تفرض نفسها تدريجيًا في الميدان والسياسة معًا، وفي حال تبلورت هذه المعادلة أكثر، قد تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام فرصة لتحويل الوقائع الميدانية إلى أوراق قوة تفاوضية، بدل الدخول إلى أي مسار سياسي ـ تفاوضي من موقع الضعف.

 

يمكن القول، إن لبنان يقف اليوم أمام اختبار وطني شامل، يتجاوز الانقسامات التقليدية حول سلاح المقاومة، ليطرح سؤالاً حول السيادة وحدود الدولة ومستقبل الجنوب اللبناني، ويبقى العامل الحاسم في هذا الإطار هو قدرة اللبنانيين، سلطة وتيارات سياسية وشعبا على إيجاد قواسم مشتركة تحافظ على الأرض من العدوان الهادف الى إعادة رسم جغرافيتها، وتحمي البلاد من الفتنة الداخلية، وتمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها في فرض واقع أمني جديد، وتستفيد من قوة الميدان للوصول الى تسوية عادلة.