Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر April 2, 2026
A A A
هل تُدرك أميركا متأخرةً أنّ ربيبتها إسرائيل تعمل لإزاحتها؟
الكاتب: الوزير القاضي محمد المرتضى- الجمهورية

لم يعد ممكنًا، في ضوء تراكُم المؤشّرات، قراءة سلوك إسرائيل في الحرب الحالية، على أنّه مجرّد مشاركة في تحالفٍ تقليدي مع الولايات المتحدة الأميركية. ما يتكشّف تدريجيًا يوحي بأنّنا أمام مسار ممنهج، تسعى من خلاله إسرائيل إلى بلوغ مرحلة الاستغناء عن واشنطن، بعد استثمار قوّة الأخيرة ومعوناتها إلى أقصى حدّ، ودفعها إلى الانخراط في حربٍ مفتوحة تستنزف هيبتها وتستهلك مقدّراتها، تمهيدًا لإخراجها من معادلة التأثير المباشر في الشرق الأوسط وربما في أمكنة أخرى من العالم.

 

هذه القراءة تستند إلى تقاطع عناصر عدة: نقاش داخلي أميركي متصاعد حول كلفة العلاقة مع إسرائيل، وحول نيّاتها تجاه الولايات المتحدة الأميركية، عبّر عنه باحثون مثل المفكّرَين «جون ميرشايمر» و«ستيفن والت» أستاذَي العلوم السياسية، الأوّل في جامعة شيكاغو والثاني في جامعة هارفرد، إلى جانب أصوات سياسية في الكونغرس ومجلس النواب، فضلاً عن بعض حكّام الولايات وإعلاميين ومؤثّرين… كلّهم يتوجّسون من نيات إسرائيل عموماً، وبنيامين نتنياهو خصوصاً، في ضوء انفتاح إسرائيلي متزايد على الصين في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية، وتعميقٍ لعلاقاتها مع الهند في مجالات الأمن والتكنولوجيا والتعاون الاستراتيجي، بزخمٍ يبيّن للمراقب أنّ الأمر يتعدّى حدّ «تنويع الشراكات» إلى التحرّر من التبعية للولايات المتحدّة سعيًا إلى الحلول محلّها كقوّة عظمى، في الشرق الأوسط على الأقل.

 

 

 

وفي هذا السياق، تكتسب الكلمةُ المأثورة دلالتها: «ما أضمر امرؤٌ شيئًا إلاّ وظهر في فلتات لسانه». ومن هذه «الفلتات»، ما زلّ به خطابُ نتنياهو إلى الإسرائيليين الأسبوع الفائت، حين أخبرهم بأنّ دولتهم في طريقها لتصبح قوة عظمى، ثم أتبع ذلك أمسِ بقوله إنّه سيبشّر الإسرائيليين قريبًا بـ«حلفاء جدد»… ومثل هذا الكلام، في سياق التحوّلات الجارية، لا يُقرأ كعبارة عابرة، بل كمؤشّر إلى سعيٍ حثيثٍ إلى دورٍ يتجاوز حدود التحالف التقليدي، ويتّجه نحو إعادة تعريف موقع إسرائيل في النظام الدولي، خصوصاً أنّ نتنياهو نفسه أكّد في الأمس مشروعه الذي عرضه في العام 2023، المتعلق بمدّ أنابيب النفط من مصادرها في دول الخليج إلى إسرائيل ليتمّ تصديرها منها إلى أوروبا وسائر العالم. بمعنى، أنّ إسرائيل تسعى عبر ذلك لتصير في موقع المتحكّم بإمدادات الطاقة إلى العالم أجمع، فيصبح تحت رحمتها، وخاضعًا أكثر فأكثر لسطوتها. ومن الطبيعي أن يسعى العقل الشيطاني الإسرائيلي إلى تحقيق مثل هذا الهدف، أي إلى التحكّم المباشر بثروات المنطقة عوض الاكتفاء بجزءٍ منها يقدّمه لها الجابي، أي الولايات المتحدة الأميركية، على شكل معونات وهبات.

 

 

 

ولعلّ الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة وشعوبها باتوا يفهمون أنّ إسرائيل تسعى لأن تصير هي الجابي، وأنّ سعيها لن يتحقّق إلاّ بإزاحة «الجابي الحالي»، عبر جرّه إلى حرب تضعفه وتستهلكه وتكسر هيبته وتلاشي صورته كقوة حامية، وهذا ما يحصل راهنًا في الحرب مع إيران.

 

 

 

ضمن هذا الإطار، لا تبدو الحرب في المنطقة مجرد نزاع أمني عابر، بل أداة في مسار أوسع نحو هدفٍ أبعد: كلما طال أمد الانخراط الأميركي وارتفعت كلفته، تراجعت قدرته على فرض النفوذ، وانكسرت هيبته وتلاشت صورته كقوّة ضامنة، وبدأت ملامح الفراغ بالظهور. وفي المقابل، تنبري إسرائيل لتملأ هذا الفراغ، مستفيدةً من نتائج الاستنزاف ذاته، ومدعومةً بشبكة علاقات آخذة في الاتساع شرقًا.

 

 

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: متى تدرك النخب المؤثّرة داخل الولايات المتحدة طبيعة هذا المسار؟ ومتى تنتقل من إدارة العلاقة إلى إعادة تقييمها جذريًّا، في ضوء ما قد يترتّب عليها من تآكل في المكانة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وتراجع في القدرة على حماية المصالح، خصوصاً في الشرق الأوسط؟

 

 

 

في المحصلة، لا يعود الأمر مجرد تحالف، بل عملية انتقالٍ صامتة عبر استثمارِ القوة حتى حدودها القصوى، ثم وراثتها بعد إنهاكها. إنها حربٌ لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تخلّفه من استنزافٍ للهيبة، واستهلاكٍ للمقدّرات، ومحوٍ تدريجي للنفوذ.

 

 

 

وهنا يتجلّى المعنى العميق للمثل اللبناني: «من ربّى الغول أكَله»؛ فالقوة التي تُغذّى وتُدعم حتى تتضخّم، قد لا تبقى أداةً إلى الأبد، بل تسعى – حين تشتدّ – إلى وراثة من صنعها، بعد أن يكون قد استُهلك في حروبها واستُنزف في معاركها.

 

 

 

وفي استحضارٍ دلالي، جاء في النص القرآني: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا». وإذا كانت الدول تُقاس بسلوكها لا بتحالفاتها، فإنّ السؤال يبقى مفتوحًا: هل تتعظ الولايات المتحدة وتستدرك قبل أن تترسّخ نتائج هذا المسار، أم أنّ إدراكها سيأتي متأخّرًا، حين لا يعود التدارك ممكنًا؟