Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 1, 2026
A A A
هل يتحوَّل استهداف «اليونيفيل» في الجنوب إلى ورقة ضغط لإخراجها من المشهد؟
الكاتب: حسين زلغوط

كتب حسين زلغوط في “اللواء”:

لم يعد استهداف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان، «اليونيفيل»، حدثاً يمكن احتواؤه ضمن سياق الأخطاء الميدانية أو الأضرار الجانبية للحروب، بل بات يحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة العسكرية إلى عمق الحسابات الاستراتيجية للصراع الدائر. فمقتل عدد من جنود هذه القوة الدولية امس الاول ، وما كشفه الاعلام الفرنسي امس عن تعرض قائد الكتيبة الفرنسية الجنرال بول سانزاي ومساعده السبت الفائت على يدة قوة اسرائيلية كانت متمركزة في رأس الناقورة حيث شهرت السلاح بوجههما، وأمرتهما بترك المكان ،يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الرسائل التي أرادت اسرائيل ايصالها، وما إذا كان هذا الاستهداف يندرج ضمن مسار ضاغط يستهدف دور هذه القوات، تمهيداً لتقليصه أو حتى إنهائه.

فالمسألة لا تتعلق بحادثة معزولة، بل بسلسلة تطورات تزامنت مع تصعيد عسكري اسرائيلي لافت، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق ترى في هذا الاستهداف بعداً يتجاوز العفوية، ليقترب من كونه جزءاً من دينامية ضغط ميداني وسياسي من قبل تل أبيب على هذه القوات.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى وجود «اليونيفيل» باعتبارها عاملاً مزدوج التأثير في معادلة الصراع. فمن جهة، تشكل هذه القوة عنصر استقرار نسبي، إذ تضطلع بدور رقابي يهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، وتوثيق أي خروقات قد تحصل على الأرض. ومن جهة أخرى، يُنظر إليها من قبل اسرائيل كعامل تقييد يحدّ من حرية الحركة العسكرية، ويضع العمليات تحت مجهر دولي دائم. هذا التناقض في النظرة إلى دورها يجعلها، في لحظات التصعيد، عرضة لأن تتحول إلى هدف غير مباشر في سياق إعادة رسم قواعد الاشتباك.
لا شك إن الضغط على «اليونيفيل»، سواء عبر استهداف مباشر أو غير مباشر، قد يكون وسيلة لدفعها إلى إعادة تموضعها بعيداً عن خطوط التماس، أو تقليص دورها العملياتي. وفي حال تحقق ذلك، فإن النتيجة لن تكون مجرد تغيير في انتشار قوة دولية، بل تحوّل في طبيعة المشهد الأمني برمته. فغياب هذه القوات، أو تراجع فعاليتها، يعني عملياً رفع مستوى «التحرر» العسكري لدى جيش العدو الاسرائيلي، بما يسمح له بتنفيذ عمليات أوسع في الجنوب وأقل خضوعاً للرقابة.
لكن هذا السيناريو، رغم ما قد يتيحه من مكاسب ميدانية قصيرة الأمد، يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فوجود «اليونيفيل» لا يقتصر على الدور الرقابي، بل يتعداه إلى كونه قناة تواصل غير مباشرة بين الأطراف المتواجهة، وآلية لاحتواء التوترات اليومية قبل أن تتحول إلى مواجهات واسعة. وبالتالي، فإن إضعاف هذا الدور قد يؤدي إلى فقدان أحد صمامات الأمان القليلة المتبقية في منطقة شديدة التوتر والتصعيد.
من ناحية أخرى، فإن استهداف قوات دولية يضع الجهة المسؤولة، أو المتهمة، تحت ضغط سياسي ودبلوماسي كبير. فالقوات العاملة تحت راية الأمم المتحدة تتمتع بحماية قانونية خاصة، وأي اعتداء عليها يُعد خرقاً واضحاً لقواعد الاشتباك الدولية. وهذا ما يجعل من خيار استهدافها بشكل ممنهج قراراً محفوفاً بتبعات تتجاوز الميدان، لتصل إلى مستويات أوسع من التوتر الدولي.
في المقابل، تبدو «اليونيفيل» نفسها أمام معادلة معقدة. فهي مطالبة بالاستمرار في أداء مهامها في بيئة تزداد خطورة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على سلامة عناصرها الذين باتوا عرضة للاستهداف. هذا الواقع قد يدفعها إلى إعادة تقييم قواعد عملها، سواء من حيث الانتشار أو طبيعة المهام، في محاولة للتكيف مع المعطيات الجديدة دون الانسحاب الكامل من الساحة.
غير أن أي تعديل في دور هذه القوات، حتى وإن كان محدوداً، ستكون له انعكاسات مباشرة على الوضع في الجنوب. فكل تراجع في حضورها يفتح المجال أمام مزيد من التغلات الاسرائيلية. كما أن غيابها النسبي قد يساهم في تسريع وتيرة التصعيد، في ظل غياب جهة قادرة على لعب دور الوسيط الميداني.
وفي قراءة لمصدر سياسي مطلع ، انه يمكن اعتبار استهداف «اليونيفيل» جزءاً من مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية. ففي ظل تصاعد التوتر في أكثر من ساحة، يصبح الجنوب اللبناني أحد مسارح اختبار الإرادات، ما يجعل كل تفصيل ميداني، بما في ذلك وضع القوات الدولية، خاضعاً لحسابات دقيقة تتجاوز حدوده الجغرافية.
ويؤكد المصدر انه لا يمكن الجزم بأن استهداف «اليونيفيل» يشكل خطة ممنهجة تهدف إلى دفعها نحو الانسحاب، لكنه بالتأكيد يعكس مستوى عالياً من الضغط الذي تتعرض له هذه القوة في سياق صراع يتجه نحو مزيد من التعقيد. وبين احتمالات الخطأ الميداني ورسائل القوة المقصودة، يبقى المؤكد أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة تتآكل فيها القواعد التقليدية، وتصبح فيها حتى القوات الدولية جزءاً من معادلة النار، لا مجرد شاهد عليها.