Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر March 31, 2026
A A A
كلام ترامب عن المفاوضات… اسألوا البرميل
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

في الوقائع الموثّقة، كرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأسابيع الأخيرة خطابًا واحدًا بصيغ متعددة حول “تقدّم المفاوضات” مع إيران. في 12 آذار 2026 قال من البيت الأبيض: “نحقق تقدّمًا كبيرًا جدًا مع إيران، أعتقد أننا قريبون من اتفاق”. ثم عاد في 16 آذار 2026 في مقابلة مع فوكس نيوز ليؤكد: “الأمور تسير بشكل جيد للغاية، الإيرانيون يريدون التوصل إلى اتفاق”. وفي 20 آذار 2026 قال للصحافيين قبل مغادرته إلى فلوريدا: “هناك محادثات جادة، ونحن قريبون جدًا من صفقة”. ومع اقتراب نهاية المهلة الأولى، في 24 آذار 2026، كرّر: “الإيرانيون يتصرفون بشكل عقلاني ويريدون اتفاقًا، نحن نحرز تقدمًا رائعًا”. وبعد إعلان التمديد الأول في 25 آذار 2026 قال: “نحن على بعد خطوات من اتفاق كبير”. ثم في 29 آذار 2026، مع التمديد الثاني، عاد ليقول: “الإيرانيون كانوا رائعين في المحادثات، ونقترب جدًا من اتفاق نهائي”. هذه السلسلة، بالنص والتاريخ، تُظهر نمطًا ثابتًا: إعلان اقتراب الاتفاق يتكرر مع كل محطة زمنية دون أن يتبدل الواقع.

 

في المقابل، لا توجد وقائع موازية من الجانب الإيراني أو الوسطاء تؤكد هذا “التقدم”. ففي 13 آذار 2026 نقلت وكالة “إرنا” عن مصدر في الخارجية الإيرانية: “لا توجد مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وكل ما يُقال عن تقدم غير صحيح”. وفي 18 آذار 2026 صرّح ناصر كنعاني: “لم نتلقَّ أي مقترحات جدية يمكن البناء عليها، ولا حديث عن اتفاق قريب”. أما في 22 آذار 2026، فقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: “الفجوة بين ما تطرحه واشنطن وما يمكن قبوله ما زالت كبيرة”. ومن جهة الوسطاء، نقلت “فايننشال تايمز” في 23 آذار 2026 عن دبلوماسي أوروبي: “لا يوجد اختراق حقيقي، المفاوضات في حالة جمود”. كما نقلت “رويترز” في 24 آذار 2026 عن مصدر خليجي مطّلع: “لم يحدث أي تقدم ملموس، وما يُقال إعلاميًا لا يعكس الواقع التفاوضي”. هذه الوقائع، بالأسماء والتواريخ، تسير بعكس رواية “التقدم”.

 

الأكثر دلالة أن ترامب نفسه يناقض روايته في اللحظة ذاتها. ففي 16 آذار 2026، وهو اليوم الذي تحدث فيه عن “تقدم كبير”، قال في خطاب انتخابي: “إذا لم توافق إيران، سوف نسحقها وسنضرب منشآتها بالكامل”. وفي 20 آذار 2026، بالتوازي مع حديثه عن “اقتراب الاتفاق”، هدّد قائلاً: “كل الخيارات على الطاولة، بما فيها التدمير الكامل للبنية التحتية الإيرانية”. وفي 24 آذار 2026، بعد حديثه عن “تقدم رائع”، أضاف: “لن أتردد في استخدام القوة الساحقة إذا لم يوقّعوا”. الجمع بين خطاب “التقدم” وخطاب “السحق” في التوقيت ذاته هو واقعة بحد ذاته: من يحقق اختراقًا تفاوضيًا لا يُحرج خصمه بالتهديد، بل يفتح له باب التنازل بلغة إيجابية ويساعده بحفظ ماء الوجه في مجتمعه وبلاده وأمام منافسيه، يتحدث عن تنازلات متبادلة وعن مصالح مشتركة ويرفض الحديث عن منتصر ومهزوم. أما هذا التناقض، فيقدّم دليلًا معاكسًا: لا تقدم فعليًا.

 

لكن أين يمكن قياس الحقيقة بعيدًا عن التصريحات؟ في السوق. في 10 آذار 2026، ومع تصاعد تهديدات ترامب بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، قفز سعر خام برنت إلى حدود 120 دولارًا للبرميل. هذا الارتفاع شكّل ضغطًا مباشرًا، فجاء في 12 آذار خطاب “التقدم”، ليتراجع السعر تدريجيًا إلى ما دون 100 دولار. ومع نهاية المهلة الأولى وعودة التهديدات في 24–25 آذار، ارتفع السعر مجددًا إلى حدود 108 دولارات، ليُعلن بعدها ترامب تمديدًا جديدًا مترافقًا مع حديث عن “تقدم رائع”. لكن هذه المرة، لم يصدّق السوق الرواية كما في المرة الأولى، وتراجع السعر بشكل محدود إلى نحو 106 دولارات فقط. ومع تجدد التصريحات في 29–30 آذار 2026 عن “اقتراب الاتفاق” و”قبول البنود”، بقي السعر يدور حول 108 دولارات، ما يعني أن السوق لم يعد يتفاعل مع الخطاب السياسي كما في السابق.

 

الخلاصة التي تفرضها الوقائع لا التحليل: تصريحات متكررة عن “تقدم”، مقابل نفي إيراني أوروبي وخليجي، وتناقض داخلي في خطاب ترامب نفسه، وسوق نفط يتصرف كحَكَم نهائي. إذا أردتم معرفة الحقيقة، لا تستمعوا الى دونالد ترامب، بل اسألوا البرميل. البرميل لا يطلق تصريحات، ولا يبدّل رواياته، بل يعكس ميزان القوى الحقيقي. وحتى الآن، البرميل يقول بوضوح: لا اتفاق في الأفق، وما يُقال عن تقدم ليس إلا كلامًا… لا يصدّقه السوق.

 

البرميل يثبت أنه اقوى من ترامب وأنه أذكى من ترامب، لكنه أيضاً أصدق من ترامب أيضاً.