Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر March 30, 2026
A A A
الكمين الاستراتيجي: كيف استدرجت المقاومة جيش الاحتلال إلى مصيدة الاستنزاف؟
الكاتب: حسن حردان - البناء

استوقف المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين ما تضمّنه البيان الذي أصدرته المقاومة، عن حصيلة عملياتها في ثلاثة أيام، حيث وصفت إياها بأنها الأكبر منذ 40 عاماً.
وبحسب البيان، بلغ إجمالي الأهداف المستهدَفة 101 هدف عسكري، وهو رقم يعكس كثافة غير معتادة في العمليات خلال فترة زمنية قصيرة جداً والتي أدّت الى تدمير وإعطاب:
83 دبابة ميركافا، 11 جرافة عسكرية، 3 آليات همر، 1 ناقلة جند، 3 آليات عسكرية متنوعة، وإسقاط طائرتين بدون طيار (هيرميز 450 و900)، وثلاث مروحيات عسكرية…
السؤال المطروح هنا، الى ماذا يدلّل حجم هذه الخسائر العسكرية في جيش الاحتلال، خاصة إذا ما أضفنا اليها الخسائر البشرية من الضباط والجنود الإسرائيليين بالقياس للدبابات التي دمّرت او أعطبت إضافة للآليات الاخرى.
من الأكيد الأرقام ستكون كبيرة جداً، وقد عكَس جزء منها الإعلام العبري…
انّ الأرقام التي تضمّنها البيان الآنف الذكر، ليست مجرد إحصائية عسكرية، بل هي تحوّل استراتيجي في شكل الصراع، ودلالاتها تتجاوز فكرة “الخسائر المادية” لتصل إلى نجاح تكتيكات المقاومة في توجيه ضربات قاتلة تصيب عمق العقيدة القتالية لجيش العدو الإسرائيلي.
وبالتوقف أمام هذه الخسائر الضخمة، خاصة عند الربط بين أعداد الآليات المدمّرة او التي أعطبت، وبين العنصر البشري، يمكن تسجيل الدلالات التالية:
الدلالة الأولى: انهيار أسطورة التفوّق التكنولوجي
انّ استهداف 83 دبابة ميركافا (فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية) يعني أنّ أنظمة الدفاع المتطورة مثل “تروفي” قد واجهت ثغرات تكتيكية لم تكن في الحسبان. هذا يدلّ على أنّ المقاومة طوّرت وسائطها القتالية (سواء القذائف الترادفية أو العبوات الناسفة) القادرة على تحييد التكنولوجيا المتطورة بأساليب “من نقطة الصفر”.
الدلالة الثانية: التكلفة البشرية الباهظة
من الناحية العسكرية، الدبابة المعطوبة أو المدمرة لا تعني فقط خسارة كتلة حديد وكلفة تصنيع، بل تعني أيضاً…
نزيف النخبة الجنود: طاقم الميركافا يتكوّن عادة من 4 جنود وضباط مدرّبين تدريباً عالياً. استهداف هذا العدد من الآليات يعني احتمالية وجود مئات القتلى والجرحى في صفوف أطقم المدرّعات، وهي خسارة بشرية لا يمكن تعويضها بسرعة.
تحطم الروح المعنوية للجنود: عندما يرى الجندي أنّ “الحصن” الذي يحميه (الدبابة) يتحوّل إلى فخ قاتل، فإنّ القوة الهجومية تضعف وتزداد حالة الحذر والخوف وتتأثر معنويات الجنود، مما يؤدي إلى تباطؤ العمليات البرية.
الدلالة الثالثة: شلل قدرة العدو على المناورة وغرقه في حرب استنزاف،
يعتمد جيش الاحتلال الإسرائيلي تاريخياً على “الحركة السريعة والحسم”. تدمير 11 جرافة وناقلات جند يعني ضرب “الهندسة القتالية” التي تمهّد الطريق للمشاة. بدون الجرافات، يصبح التقدّم في بيئة حضرية أو معقدة، مناسبة لحرب العصابات، انتحاراً عسكرياً، مما يحوّل المعركة من “هجوم خاطف” إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، وهو ما لا يطيق تحمّله، لا الجيش ولا الاقتصاد او المجتمع الإسرائيلي.
الدلالة الرابعة: فقدان الحماية الجوية
انّ نجاح المقاومة في إسقاط طائرات هيرميز (450 و900) واستهداف المروحيات يعكس تطوراً لافتاً في منظومات الدفاع الجوي المحمولة أو التكتيكات المضادة للطيران التي يستخدمها المقاومون. هذا يعني أنّ “عين” جيش الاحتلال في السماء لم تعد تعمل بحرية، وأنّ إخلاء الجرحى عبر المروحيات أصبح محفوفاً بالمخاطر، مما يضغط على القيادة العسكرية لاتخاذ قرارات تراجع أو تقليص للاشتباك.
الدلالة الخامسة: الدلالة الأكبر حصول هذه الخسائر بزمن قياسي،
إشارة بيان المقاومة إلى انّ هذه الخسائر لم تحدث منذ 40 عاماً، تعيد الذاكرة إلى حرب لبنان 1982. الوصول إلى هذا المستوى من الخسائر في 72 ساعة فقط يعني أنّ كثافة النيران والقدرة على التنفيذ قد تجاوزت كلّ التوقعات، ويدلّ على أننا أمام “اشتباك صفري” لا تنجح فيه الطائرات في حماية جنود العدو على الأرض.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول: انّ هذه الخسائر تدلّ على أنّ جيش العدو يواجه “كميناً استراتيجياً” وليس مجرد جيوب مقاومة. الفجوة بين الأهداف السياسية (القضاء على المقاومة) والواقع الميداني (تآكل القوة المدرّعة) تزداد اتساعاً، مما يولد ضغطاً على القيادة السياسية لكيان العدو لأجل إعادة الحسابات، خاصة مع عودة تحرك الرأي العام الإسرائيلي الذي بدأت مؤشراته من خلال تظاهرة تل أبيب نتيجة تزايد القلق من الانزلاق الى حرب استنزاف طويلة…