Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر March 30, 2026
A A A
شهر على الحرب وأميركا عالقة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

بعد شهر على اندلاع الحرب، يمكن قياس الفجوة بين الأهداف المعلنة لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وبين الوقائع الميدانية والسياسية. فقد تحدّث ترامب منذ الأيام الأولى (مؤتمرات 1 و5 و10 آذار 2026) عن “تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على اتفاق جديد”، فيما رفع نتنياهو (تصريحات 3 و8 آذار 2026) سقف الأهداف إلى “إزالة التهديد الإيراني ومنع تشكل جبهة شمالية فاعلة”. لكن الوقائع حتى نهاية 28–29 آذار تشير إلى أن لا النظام الإيراني سقط، ولا قدراته الصاروخية تعطلت، ولا جبهات الإسناد توقفت، بل استمرّت الضربات وتوسّعت رقعة الاشتباك.

في المقابل، أظهرت إيران خلال هذا الشهر قدرتها على إدارة ثلاثية ضغط متكاملة. في مضيق هرمز، سجلت تقارير شركات الشحن والتأمين بين 12 و25 آذار ارتفاعاً ملحوظاً في كلفة التأمين وتراجعاً نوعياً في العبور. وفي القواعد الأميركية، نقلت تقارير إعلامية أميركية بين 14 و22 آذار عن إصابات في صفوف العسكريين إثر استهداف مواقع في العراق وسورية والخليج، مع إشارات إلى ضرب طائرات للتزوّد بالوقود ومراكز قيادة. عدا عن تقديرات خبراء خدموا سابقاً في القواعد الأميركية تقول إن الذي تقوم إيران بتدميره بعناية ومعرفة استخبارية دقيقة، هو بنية تحتية تكنولوجية تقوم بتخديم كل العمل العسكري والأمني الأميركي في العالم من تحليل نتائج التنصت إلى تخزين معلومات الأقمار الصناعية وإدارة حروب الدرون والثورات الملوّنة، أما في “إسرائيل”، فقد تحدّثت وسائل إعلام إسرائيلية بين 18 و27 آذار عن إصابات مباشرة لمنشآت حساسة، بينها محيط ديمونا ومنشآت صناعية في بئر السبع، وسط تعتيم جزئي على طبيعة الأضرار.

أما نتائج الضربات الإيرانية، فقد شكلت مادة نقاش رئيسية في الصحف الأميركية والإسرائيلية. ذكرت نيويورك تايمز في تقرير بتاريخ 21 آذار 2026 أن “منظومات الدفاع الإسرائيلية والأميركية فشلت في اعتراض نسبة هامة من الصواريخ الدقيقة، خصوصاً تلك التي اعتمدت مسارات مركبة”. وفي 23 آذار 2026، نقلت شبكة سي أن أن عن مسؤولين في البنتاغون أن “الهجمات الإيرانية أظهرت تنسيقاً متقدماً بين الصواريخ والمسيرات أربك الدفاعات متعدّدة الطبقات”. من جهتها، أشارت يديعوت أحرونوت في 24 آذار 2026 إلى أن “بعض الضربات أصابت أهدافاً استراتيجية لم يكن يُعتقد أنها ضمن دائرة الخطر”، بينما كتبت هآرتس في افتتاحيّة بتاريخ 26 آذار 2026 أن “الحديث عن حصانة الجبهة الداخلية لم يعد يعكس الواقع بعد اتساع نطاق الإصابة”.

ومن أبرز ما كشفته الحرب، بحسب هذه التقارير، استخدام صواريخ انشطارية ذات تأثير مساحي واسع. وقد أشارت وول ستريت جورنال في تقرير بتاريخ 25 آذار2026 إلى أن “أنماط الضرب الإيرانية الجديدة، بما فيها الرؤوس المتشظية، تزيد من تعقيد مهمة الاعتراض وتفرض ضغطاً مضاعفاً على الدفاعات”. وفي السياق نفسه، نقلت وكالة رويترز في 27 آذار 2026 عن مسؤولين غربيين أن “مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية والإسرائيلية تتعرّض لاستنزاف سريع مع استمرار وتيرة الهجمات”، مع تحذيرات من فجوة زمنية في إعادة التزويد. كما تداولت وسائل إعلام إسرائيلية خلال الأسبوع الأخير من آذار تقارير عن صواريخ اعتراض لم تنفجر أو سقطت في مناطق مفتوحة، ما فتح نقاشاً داخلياً حول الكفاءة والجاهزية.

على الجبهة اللبنانية، برزت المقاومة كعامل استنزاف يومي. بين 20 و29 آذار، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن استمرار إخلاء بلدات الشمال وعدم عودة المستوطنين، مع تصريحات لرؤساء مجالس محلية تتحدّث عن “فقدان الثقة بقدرة الجيش على ضمان الأمن”. هذا الواقع انعكس على المزاج العام، حيث شهدت تل أبيب تظاهرات متكرّرة خلال 22 – 29 آذار ضد إدارة الحرب. وفي الولايات المتحدة، وثّقت تقارير إعلامية بين 23 و28 آذار خروج تظاهرات واسعة، قُدّرت بالملايين، مع تحول تدريجي في المزاج الشعبي، إذ أشارت تقارير إلى تنامي التعاطف مع الموقف الإيراني مقارنة ببداية الحرب.

في المحصلة، تشير الوقائع إلى أن سياسة المهل التي اعتمدها ترامب من مهلة يومين ثم خمسة أيام (معلنة في 18 آذار) إلى تمديد ثانٍ (25 آذار)، لم تنجح في تثبيت مصداقية المسار التفاوضي. فقد تزامن التمديد مع تقلبات في الأسواق وعودة ارتفاع أسعار النفط بين 26 و29 آذار، ما يعكس شكوكاً في جدّية الطرح. وبين خيار التراجع وما يحمله من كلفة سياسية داخلية، وخيار التصعيد عبر استهداف الطاقة أو تنفيذ إنزال عسكريّ وما يحمله من مخاطر انفجار إقليمي واسع، تبدو واشنطن عالقة في معادلة معقدة. بعد شهر من الحرب، لا الأهداف تحققت، ولا البدائل تبدو سهلة، فيما الكلفة تتصاعد ميدانياً واقتصادياً وشعبياً.