Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 28, 2026
A A A
صدمة الطاقة الأكبر تاريخياً: إيران تعزّز قبضتها على «هرمز»
الكاتب: سعيد محمد

كتب سعيد محمد في الأخبار 

 

تتّجه أنظار الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في شتّى أرجاء المعمورة، نحو مضيق هرمز الذي يمرّ حالياً بواحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والعسكرية في التاريخ الحديث. وتحوَّل هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط منتجي النفط والغاز والكيمياويات في الخليج بالأسواق العالمية، إلى منطقة نزاع مسلّح مغلقة فعلياً أمام حركة الملاحة التجارية المنتظمة، وذلك بعدما شنّت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل عدواناً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي ردّت بدورها بتقييد حركة المرور في المضيق. وانخفضت إثر ما تقدّم، حركة السفن التجارية إلى أقلّ من عشر سفن يومياً، بعدما كانت تصل إلى مئة وثمانٍ وثلاثين سفينة يومياً قبل العدوان الذي دخل أسبوعه الرابع.

 

وتشير البيانات المجمّعة من مراكز التحليل البحري الموثوقة إلى انخفاض حادّ في حجم الحركة الملاحية داخل المضيق، بنسبة تتجاوز تسعين في المئة، منذ اندلاع الأعمال العدائية قبل نحو أربعة أسابيع، إذ اقتصرت حركة العبور في شهر آذار/ مارس على عدد محدود جداً من السفن لا يتجاوز مئة وخمسين ناقلة وحاوية، وهو رقم يقلّ عمّا كان يسجّله المضيق في يوم واحد قبل نشوب الحرب. وأدّت حالة الشلل شبه التام التي أصابت شريان الطاقة العالمي، كذلك، إلى احتجاز أكثر من ألفَي سفينة داخل مياه الخليج، وما يقرب من عشرين ألف بحّار يعانون من ظروف قاسية ونقص في الإمدادات الضرورية مع تعذّر خروجهم الآمن بسبب التهديدات العسكرية المباشرة والألغام البحرية والهجمات التي طاولت أكثر من عشرين سفينة تجارية وأسفرت عن وقوع ضحايا من أطقم الملاحة الدولية.

وتهيمن إيران حالياً على الموقف الميداني عبر فرض ما يصفه الخبراء الدوليون بنظام «نقطة التحصيل» أو «بوابة الرسوم»؛ إذ أجبرت طهران السفن الراغبة في العبور على هجر الممرّات الملاحية الدولية التقليدية والالتفاف نحو ممرّ بديل يقع بالكامل داخل المياه الإقليمية الإيرانية وتحديداً شمال جزيرة لارك، وذلك لتمكين «الحرس الثوري» الإيراني من إجراء عمليات فحص بصرية وتدقيق أمني لهوية الحمولة والوجهة، وتحديد ما إذا كانت السفينة تتبع لدول «معادية» وفق التصنيف الإيراني – الذي يمنع بشكل قاطع مرور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل أو تلك التي تقدّم دعماً لعملياتهما العسكرية -.

 

وتتواتر التقارير عن قيام بعض شركات الشحن الدولية بدفع مبالغ مالية طائلة تصل إلى مليونَي دولار عن الناقلة الواحدة لضمان الحصول على «كود» عبور آمن من السلطات الإيرانية، مع اشتراط تسوية هذه المبالغ بعملة اليوان الصيني للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على النظام المالي الإيراني وعلى «الحرس الثوري» المُصنَّف كمنظمة إرهابية لدى واشنطن. ويخاطر ملّاكو السفن بالتورط في مأزق قانوني وجنائي دولي يتعلّق بتمويل الإرهاب، في وقت تدفعهم فيه الضغوط الاقتصادية الهائلة إلى المخاطرة بالعبور، في ظلّ الارتفاع الجنوني لأسعار النفط – التي تجاوزت مئة وثمانية دولارات للبرميل الواحد -، والعائد إلى نقص الإمدادات وزيادة تكاليف التأمين ضدّ مخاطر الحرب بنسب وصلت إلى مئات الأضعاف.

 

شرعت الحكومات الأوروبية في مناقشة إجراءات مالية لدعم الفئات الشعبية الأكثر تضرّراً من ارتفاع تكاليف الطاقة

 

 

وانعكست هذه الأزمة بشكل صاعق على الاقتصاد العالمي، خاصة في دول في شرق آسيا من مثل الصين والهند واليابان التي تعتمد بشكل حيوي على النفط والغاز القادميْن من الخليج، وكذلك على القارة الأوروبية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تتخطّى سبعين في المئة. ودفع هذا الواقع المفوضية الأوروبية إلى إصدار توجيهات عاجلة إلى الدول الأعضاء ببدء ملء مخزونات الغاز مبكراً اعتباراً من شهر نيسان/ أبريل المقبل لمواجهة الشتاء القادم، وتأمين بدائل طاقة مستقرة في ظلّ تعطل وصول شحنات الغاز المُسال القادمة من قطر والإمارات عبر «هرمز». وكان يمرّ عبر المضيق أكثر من خمس الإنتاج العالمي من النفط ومشتقاته، وقرابة عشرين في المئة من تجارة الغاز المُسال العالمية، بالإضافة إلى ثلث تجارة الأسمدة الضرورية لإنتاج الغذاء العالمي.

إزاء ذلك، تبنّت الدول الأوروبية مواقف تتّسم بمزيج من التخطيط العسكري الدفاعي والتحرك الدبلوماسي الحذر. وتقود فرنسا جهوداً للتواصل مع خمس وثلاثين دولة بغرض بحث إمكانية إطلاق مهمة بحرية دولية تهدف إلى إزالة الألغام وتأمين ممرّات العبور، بمجرّد توفر الظروف السياسية الملائمة، مع التشديد على ضرورة التنسيق مع «المنظمة البحرية الدولية» لضمان سلامة البحارة. على أن بريطانيا تبحث، في المقابل، مع حلفائها في «مجموعة السبع» والولايات المتحدة خططاً لفتح المضيق بالقوة أو عبر ترتيبات أمنية متعدّدة الأطراف تضمن حرية الملاحة التي كفلتها «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار»؛ علماً أن إيران لا تعترف بصفة «المياه الدولية» للمضيق، وتصرّ على ممارسة سيادتها الكاملة عليه باعتباره ممرّاً يقع ضمن مياهها الإقليمية والمنطقة المتاخمة لها.

وللتعامل مع تداعيات الأزمة داخلياً، شرعت الحكومات الأوروبية في مناقشة إجراءات مالية لدعم الفئات الشعبية الأكثر تضرّراً من ارتفاع تكاليف الطاقة، وحثّ الشركات والمستهلكين الصناعيين على تحسين كفاءة الاستهلاك. وتراقب العواصم الأوروبية التحركات الإيرانية في هذا الخصوص، والتي بدأت تتباين في التعامل مع كلّ من الدول الأوروبية بناءً على مواقفها السياسية من الصراع. وكانت طهران قد أبدت انفتاحاً على استقبال طلبات مرور السفن الإسبانية بحكم انتقادات رئيس الوزراء الإسباني للهجمات العسكرية على إيران، في ما اعتبره دبلوماسيون أوروبيون توظيفاً للمضيق لكسر الحصار المفروض على الأخيرة، ومحاولة جني إيرادات مالية ضخمة – تقدّرها بعض المصادر بما يراوِح بين سبعين وثمانين مليار دولار سنوياً في حال مأسسة نظام الرسوم الجديد -.

 

وبحسب الخبراء، فقد أدّى انخفاض تدفق النفط اليومي عبر «هرمز» من عشرين مليون برميل إلى نحو مليونين وسبعمئة ألف برميل فقط، إلى تآكل حادّ في أمن الطاقة العالمي، وتسبّب في صدمة إمداد هي الأكبر تاريخياً أدّت إلى قفزة في أسعار خام برنت بنسبة تتجاوز أربعين في المئة. كما سجّلت المصادر المعنيّة بتجارة النفط والغاز توقّفاً شبه كامل لصادرات الغاز المُسال القطرية والإماراتية المتّجهة نحو الغرب، وتوجيه الشحنات الانتقائية المتبقية نحو مصافٍ في الصين والهند حصراً، وذلك عبر الممرات الخاضعة لإشراف «الحرس الثوري». ووضع هذا التراجع الحادّ في إمدادات الطاقة الاستراتيجية، الدول المستهلكة أمام اختبار زمني حرج، حيث بدأت الدول الآسيوية والأوروبية بالسحب من احتياطياتها لمواجهة العجز، وهو ما ينذر بنفاد المخزونات الهندية بحلول نهاية نيسان القادم، وبلوغ الدول الأوروبية واليابان مرحلة الخطر الشديد في حزيران المقبل، في ظلّ عجز خطوط الأنابيب البديلة عن استيعاب أكثر من خمسة عشر في المئة من الأحجام المفقودة. ومن شأن الخطر المُشار إليه أن يعزّز الضغوط على الولايات المتحدة، إمّا لإنهاء العدوان والتوصل مع الإيرانيين إلى ترتيب لاستئناف الملاحة، أو القيام بعملية عسكرية لـ«تطهير» المضيق والسيطرة على مفاصل تصدير النفط الإيراني في جزيرة «خارك».