Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر March 28, 2026
A A A
هل تثير المقاومة دهشة لبنانيّة كما تفعل بالإسرائيليين؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

من اللافت والمؤلم أن نقرأ في المواقف الإسرائيلية إنصافاً للمقاومة لا نرى بعضه في الإعلام اللبناني أو في الصالونات السياسية التقليدية، حيث حملت الأيام الخمسة والعشرون الممتدّة من 2 إلى 27 آذار، والتي مرّت على عودة المقاومة إلى جبهات القتال، ما أصاب الإسرائيليين بالذهول، وترتبت على هذه العودة تداعيات سياسية واستراتيجية وإعلامية وخلقت واقعاً جديداً في الدول الغربية وفي الرأي العام الإسرائيلي، بما يستحقّ من باب القراءة والمصلحة وضعها في دائرة الاهتمام بعيداً عن الأحقاد وتصفية الحسابات، والمسؤول عن وطن ممنوع عليه العناد والتمترس وراء مواقف تثبت الوقائع أنها خاطئة أو ضعيفة وفاشلة أو في غير مكانها.

 

خلال ثلاثة أسابيع من القتال بين 5 و27 آذار 2026، تُظهر البيانات المجمّعة من بيانات المقاومة وتقارير إعلاميّة متقاطعة أن عدد الدبابات والآليات المدرعة الإسرائيلية التي تمّ استهدافها بلغ 84 دبابة وآلية، بينها ذروة مسجلة في 26 آذار حيث تم استهداف 29 دبابة ميركافا في يوم واحد وفي بيانات يومية سابقة، أعلنت المقاومة في 18 آذار عن تدمير 4 دبابات في محور الخيام، وفي 21 آذار عن استهداف عدة آليات في العديسة، ما يشير إلى نمط ثابت بمعدل 3 إلى 6 آليات يوميًا في محاور القتال المباشر.

 

هذا النهوض النوعيّ للمقاومة لم يظهر في ما تنشره بياناتها، بل بما يعترف به الاحتلال، حيث أقرّ الإعلام الإسرائيلي بصعوبة الوضع الميداني. وكتب عاموس هرئيل – صحيفة هآرتس (17 آذار 2026) أن “العملية البرية في جنوب لبنان لن تؤدي إلى إنهاء تهديد حزب الله”. وفي تقرير لاحق له في 20 آذار، أشار إلى أن “القوات تواجه مقاومة منظمة تعتمد تكتيكات مضادة للدروع أثبتت فعاليتها”. كما نقلت القناة 12 (21 آذار 2026) أن “القوات لم تنجح في تثبيت سيطرة مستقرة رغم مرور أكثر من أسبوعين على الدفع بقوات كبيرة”.

 

في ملف الصواريخ، نقلت القناة 12 الإسرائيلية (17 آذار 2026) أن حزب الله أطلق أكثر من 2000 صاروخ منذ بداية المعركة، بمعدل يقارب 100 صاروخ يوميًا، مع تسجيل أيام تجاوزت 150 صاروخًا يوميًا وفق تقديرات عسكرية نقلتها القناة 13 (19 آذار 2026). وأشارت «معاريف» (23 آذار 2026) إلى أن “دقة بعض الضربات تشير إلى امتلاك بنك أهداف مُحدّث وقدرات توجيه محسّنة”.

 

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ أكثر من 2000 ضربة جوية ومدفعية داخل لبنان حتى 20 آذار، وفق ما نقلته قناة «العربية» الصديقة لـ”إسرائيل” عن مصدر عسكري إسرائيلي، مع استمرار معدل يومي يتراوح بين 50 و70 غارة، إضافة إلى قصف مدفعي كثيف. لكن رغم هذه الكثافة، كتب رون بن يشاي – يديعوت أحرونوت (22 آذار 2026) أن “الضربات الجوية لم تنجح في تعطيل قدرات حزب الله الصاروخية أو وقف إطلاق النار المضاد للدروع”.

 

في ما يخصّ الحشد البري، تحدثت تقارير إسرائيلية ودولية عن الدفع بـ خمس فرق عسكرية، بينها الفرقة 91 و36، بما يعادل أكثر من ستين ألف جندي إضافة لمئة ألف جندي احتياط تحت التلبية، مع خطط للتوسع حتى نهر الليطاني. لكن التحول في الخطاب السياسي والعسكري كان واضحًا. وفي 10 آذار، قال بنيامين نتنياهو إن الهدف هو “إزالة تهديد حزب الله من الشمال”، بينما أعلن المجلس الوزاري المصغر عن “إقامة نقاط دفاع متقدمة داخل الأراضي اللبنانية”. هذا التحول علّق عليه أليكس فيشمان – يديعوت أحرونوت (20 آذار 2026) بقوله إن “الحديث عن نقاط دفاعية يعكس تراجعًا عن فكرة عملية برية واسعة”.

 

أما في المستوطنات الشمالية، فالصورة أكثر وضوحًا في فقدان الثقة. في مقابلة مع القناة 11 (22 آذار 2026)، قال رئيس بلدية كريات شمونة أفيخاي شتيرن: “لا يمكننا العودة إلى منازلنا في هذا الوضع”، وظهر متأثرًا بشدة خلال المقابلة حتى أجهش بالبكاء. وفي تصريح لاحق نقلته i24NEWS في 23 آذار 2026 قال: “أشعر أن الدولة تحاربني”. كما نقلت «يسرائيل هيوم» (23 آذار 2026) تعليقات سكان من المطلة وكريات شمونة يسخرون من تصريحات الحكومة حول “إزالة التهديد”، معتبرين أن “الوضع اليوم أخطر مما كان عليه قبل الحرب”.

 

وفي تحليل للقناة 13 (24 آذار 2026)، قال المحلل العسكري ألون بن دافيد: “بعد 15 شهرًا من القصف والاغتيالات، لم يتم القضاء على قدرات حزب الله، بل أعاد تنظيم نفسه بسرعة”. وهو ما تكرّر في «هآرتس» (25 آذار 2026) التي أشارت إلى أن “الرهان على الردع عبر التدمير لم يحقق النتيجة المرجوة”.

 

الوقائع المجمّعة ترسم صورة دقيقة: 84 دبابة وآلية مستهدفة، أكثر من 2000 صاروخ أُطلق من لبنان، خمس فرق إسرائيليّة في الميدان، أكثر من 2000 غارة إسرائيلية، وتحوّل رسمي من “حسم بري” إلى “نقاط دفاع متقدّمة”، مقابل بيئة شمالية إسرائيلية تتجه نحو فقدان الثقة والتشكيك بجدوى الحرب.

 

يبقى السؤال متى سوف تثير المقاومة دهشة أهل بيتها اللبناني بمثل ما تثير ذهول عدوّها؟ هل ينتظر المسؤولون نجاح المقاومة بالتحرير والردع حتى يعترفوا لها بالكفاءة والجدارة و يتراجعوا عن أخطائهم، التي تكون تحوّلت إلى خطايا، أم أنهم يراهنون على فشلها بينما الحديث في كيان الاحتلال بدأ يكبر لصالح الثقة بتكرار ما جرى عامي 2000 و2006 معاً؟